التخصص الدراسي

29 أبريل , 2014

التخصص الدراسي: قصة عالمية يختلف أبطالها و أحداثها من دولة لأخرى! 
 
 
 
 
 
 
أحب الحاسوب.. إذن لندرس (أي شيء) في الحاسوب! 
كحال أي طالب ينهي المرحلة الثانوية، فإنه يلتحق بالتخصص الذي "أحسّ " أنه يميل إليه. فمنذ طفولتي وجدت شغفي في مجال البرمجيات و الحاسوب بشكل عام، كنت أجيد استخدامه في سن مبكرة، و أحرص على تعلم برامج جديدة من فترة لأخرى. كل من حولي تنبأ لي بالالتحاق في تخصص يخدم هذه القدرة. و عليه التحقت بالقسم العلمي في المرحلة الثانوية، بين المواد العلمية: من كيمياء وفيزياء ورياضيات وأحياء، لم نتطرق إلى مادة الحاسوب إلا في أول سنتين وبشكل سطحي، لكن كنت أستمتع بها عموما.
 
مع اقتراب انتهاء المرحلة الثانوية كنت قد حصرت التخصصات التي أريد الالتحاق بها بين أربع تخصصات: علوم حاسب، هندسة حاسب، هندسة كيمياء و هندسة معمارية، و كانت الأخيرة بسبب مهارتي في الرسم والتصوير، إذ كانت إحدى شروط القبول في الهندسة المعمارية. أما اختياري لهندسة الكيمياء فهو كان بسبب أسلوب مدرسة الكيمياء المحترف في التدريس و الذي جعلني أفهم الكيمياء بصدق و رأيت قدرتي في فهم التفاصيل الدقيقة لهذا العلم حتى أني حصلت على الدرجة النهائية في امتحانات الثانوية العامة. 
 
انتهت المرحلة الثانوية، و التحقت بالجامعة و كانت أول رغبة لي هي الهندسة الكيميائية! لكن سرعان ما تراجعت عن قراري و حددت هندسة الحاسوب كرغبة أولى و أخيرة لي، إذ أني تلقيت رسالة تفيد بعدم قبولي في قسم (هندسة الحاسوب) و عليه تم تحويلي بشكل تلقائي إلى قسم (علوم الحاسب)، لم أكترث كثيرًا، بدأت سنتي الأولى في المقررات العامة، لم أبدأ بمواد التخصص و لعله كان خيرًا، حينها كل ما كان يهمني أن أدرس في مجال الحاسوب! 
 
للعلم مشقة لكن.. مع تعاقب الفصول الدراسية، و دراستي لمختلف مقررات علوم الحاسب، وجدت كيف أن صبري بدأ ينفد و كيف أني ما عدت قادرة على استيعاب أو تحمل التفاصيل الدقيقة لهذا العلم، تعجبت من رد فعلي تجاه هذا التخصص و بدأت أتسائل: ما الذي يجري؟! و إن كان شغفي منذ الطفولة في مجال الحاسوب مالي لا أطيقه اليوم، هل كنت مخطئة في تقدير ميولي أم ماذا؟! 
 
قضيت عامين في التخصص و كنت على مشارف دخولي العام الثالث من هذا التخصص، لكني لا أشعر براحة على الإطلاق، و باتت المحاضرات ثقيلة علي، و الذهاب إلى الجامعة كل يوم أثقل و أثقل! كنت و لازلت مؤمنة بأن لطلب العلم صعوبة لابد من طالبيها تحملها، لكني شعرت أن هذه الصعوبة فاقت الحد الطبيعي في نظري، و بدأت أتفكر في الأمر و أتساءل: هل كل من يتعلم يواجه صعوبة كهذه؟ بالطبع لا كما أعتقد، الصعوبة متواجدة لكن لحد معقول، لحد يستطيع أن يهونه عليك شغفك فيما تتعلم. رأيت أن أقراني في القسم لا يبذلون جهدا مبالغا كما كنت أبذل و يكون تحصيلهم أفضل في المقابل. أكره المقارنات ولا أقبل عليها إطلاقا غير أني في هذا الموقف لجأت لها لأستبصر وأستوضح أموري بشكل عام. 
 
إقرأ ذاتك أولا قبل أن تقرأ عن التخصصات و الوظائف المتاحة! 
خلال العامين الدراسيين اللذين قضيتهم في دراستي لعلوم الحاسب كنت أشارك في أنشطة أكاديمية و غير أكاديمية مختلفة، رغم ضغط الدراسة و صعوبتها إلا أنني كنت أصر على الاستمرار بها، إضافة إلى وظيفتي بشكل جزئي ليس لشيء إلا أن الوظيفة و الأنشطة كشفت عن جزء مهم من شخصيتي و مهارات إضافة إلى مهارتي في الحاسوب. وموضوع الأنشطة لم يكن حديثا عهده بي، إذ أني كنت أشارك بها بكثرة في المدرسة و أستطيع تلخيص مجمل المهارات التي اكتشفتها حينها بقيادة الفرق، الإلقاء، التخطيط، الكتابة الأدبية. ثم نمت هذه القدرات مع أنشطة الجامعة والالتحاق بالوظيفة واكتشفت أيضا شغفي بالبحث العلمي، و إدارة المشاريع، و تحفيز الجماعات و التنمية الذاتية، التصميم، ولا زلت أحب الحاسوب مع هذا و لا أريد التنازل عنه كتخصص دراسي، لكن ما عدت قادرة على إكمال سنتي الثالثة و الرابعة! ما العمل؟! عزمت قرار التحويل لتخصص دراسي آخر، لم أكترث بعدد السنوات التي مضت و الجهد و التعب الذي مضى، راحتي و سعادتي و تواجدي في المكان الصحيح كان الأهم. 
 
لا بد أن تتحلى بالشجاعة دائما و خصوصا لقرار يعنيك.
بدأت بالقراءة عن تخصصات الحاسوب المختلفة و تعاريفها و متطلباتها و مخرجات التعلم لكل تخصص ومجالات التوظيف بعد التخرج. ربما شغفي بالحاسوب هو من دفعني للتعمق في القراءة عن مجاالت التخصص المختلفة بدلا من اتخاذ قرار مفاده أني لا أستطيع دراسة الحاسوب، تخصص الحاسوب لا يناسبني! و أخيرا وجدت ما يناسب مهاراتي في الحاسوب إضافة إلى المهارات الجديدة التي اكتسبتها أو تم صقلها، (نظم معلومات إدارية) هو تخصصي الجديد ونظم المعلومات بحد ذاتها تخصص له فروع عدة: نظم معلومات محاسبية، نظم معلومات جغرافية،.. و غيرها من الفروع. بعد قرائتي لمختلف تخصصات الحاسوب أيقنت الفرق بين: علوم الحاسب، هندسة الحاسب، نظم المعلومات رغم أن كلهم في مجال الحاسوب. فالفرق بينهم كبير في المسار الذي تتناوله.
 
خلاصة القول أن تخصص هندسة الحاسوب يركز على هيكلة الأجهزة وعلوم الحاسوب يركز على البرمجيات أما نظم المعلومات فهي الجسر بين البرمجيات و المؤسسات بشكل عام، بعبارة أخرى كيف يمكننا أن نستخدم الحاسوب الاستخدام الأمثل للتعامل مع بيانات ومعلومات المؤسسات و الأعمال اليومية لزيادة فعالية المؤسسات بمختلف أنواعها، أي أن هذا التخصص يتطلب من الطالب فهما من جانب البرمجيات، و فهما من جانب المؤسسات، و عليه فإن فهم جانب البرمجيات قد وظف شغفي في تصميم الأنظمة وتطبيقها و تعلم برامج مختلفة، و فهم جانب المؤسسات وظف شغفي في مهارات التخطيط، القيادة، تحفيز الجماعات و إدارة المشاريع. و عليه تم اختيار تخصص نظم معلومات إدارية كتخصص رئيسي وريادة أعمال كتخصص فرعي. و هنا بدأت استرد تفوقي، استرد شغفي بالتعليم، و قرار التحويل لم يكن قرارًا بسيطًا
 
استنكار الأهل من هذا القرار، إضافة إلى ضعف احتمالية القبول في كلية اإلدارة و االقتصاد-إذ أن القبول تنافسي، و األولوية للطالب الجدد!- بالرغم من ذلك كنت مصرة على التحويل وكنت على ثقة من أن قبولي سيتم في الكلية بإذن الله،  وقد تأكدت من أن هذا التخصص هو ما أريده بالضبط و هو ما يوظف كامل قدراتي و مهاراتي. 
 
لن تــنجز و تتوسع في مجال ما إن لم تــتــقــنه.. 
اليوم أتم هنا في كلية الإدارة و الاقتصاد عامي الثاني وعامي الرابع في التخصص، فقد التحقت بها في بداية عام 2102، ويبقى لي فصل دراسي واحد للتخرج، أدري كم مر هذين العامين بسرعة كبيرة، بالرغم أني قضيت عامين في علوم الحاسب أيضا غير أني شعرت و كأنها أكثر من ذلك! اجمالًا أرى أن عامين في كلية الإدارة كانت أكثر إنجازا من عامين في قسم علوم الحاسب. لا أنكر أن أكبر انجازاتي تمت و أنا في قسم علوم الحاسب غير أن الواقع يفيد بأن هذا الإنجاز غالبا يتم من قبل من تخصص في مجال نظم المعلومات. فقد كانت فكرة المشروع مبنية على تأسيس نظام لتسجيل الطالب في إدارة الإسكان الطلابي الذي أسكن فيه و التابع للجامعة التي التحق فيها بدلا من استخدام الملفات وتسجيل الطالب يدويا. بدأت أعمل كشخص متخصص في مجال نظم المعلومات حيث يقوم بتحديد المشكلة، ثم يقوم بجمع معلومات من الأفراد الذين سيستخدمون النظام مستقبلًا والذين يواجهون المشكلة حاليا، ثم يفترض تصميما للنظام بكامل مكوناته ووظائفه المتوقعة (و هنا يستدعي الأمر مهارات التخطيط، و التصميم، و الإدراة)، ثم يستخدم إمكانات الحاسوب المختلفة لتنفيذ النظام ) و هنا يستدعي الأمر لمعرفة الحاسوب (أو يمكنه االستعانة هنا بالمبرمجين لتفاصيل أدق. لكن في هذه المرحلة استخدمت ما أعرفه من امكانات الحاسوب لتنفيذ النظام و اختبار فعاليته. تم الانتهاء من النظام وبدأت إدارة الإسكان الطلابي باستخدامه منذ عام ٢٠١٠ و حتى الآن بفضل من الله.
 
هذه التجربة شجعتني أيضا لدخول التخصص بعد فهمه يقينا مني بقدرتي على الإنجاز في هذا المجال. إلى جانب إنجازات أخرى في مجال ريادة الأعمال (تخصصي الفرعي)، حيث شاركت في أكثر من منافسة وحصدت مراكز متقدمة، كما حصلت على فرصة لتمويل فكرة مشروع سابق فاز في إحدى المنافسات من المجلس الأعلى للإتصالات و ولا زلت في بداية مراحل تنفيذ المشروع. 
 
خلاصة القول: لم أحظى بفرص ذهبية كهذه حين كنت في قسم علوم الحاسوب، و هذه نتيجة طبيعة، إن لم تكن في المكان الصحيح لتخصصك الدراسي حيث الاستثمار الأكبر للطاقات و القدرات، فكيف لك التوسع و الإنجاز فيه؟! 
  
من ميولك و قدراتك ستحقق أحلامك ! 

كما أشرت سابقا إلى أن البحث العلمي هي إحدى المهارات التي وجدت نفسي فيها، كنت أحاول دائما أن أبحث عن فرصة لممارسة البحث العلمي و السفر إلى مؤتمرات لتمثيل الجامعة و عرض ما ننجزه من أبحاث هناك. لم أحظى بهذه الفرصة إلا عندما إلتحقت بقسم نظم المعلومات. و يعود الفضل لله أولا و أخيرا في ظهور من يدفعني في هذا المجال، فقد سألت ذات يوم أستاذة مقرر نظم المعلومات عن من يهتم في مجال البحث العلمي ليتواصل معها إذ أنها ستوفر فرصة عمل له كمساعد باحث. فورا و بدون تردد تواصلت معها بخصوص هذا الموضوع، و بدأت معها المشوار من العام الماض (2102) حتى الآن، و بدأنا بإعداد دراسة عن تخصص الطالب الدراسي والعوامل التي تؤثر علي اختياره في ظل اقتصاد المعرفة. خلال هذه الفترة صقلت عدد من مهارات البحث العلمي، كتحليل البيانات باستخدام برمجيات متخصصة، انتقاء الدراسات السابقة وربطها بموضوع الدراسة الحالية، صياغة البحث العلمي و لا تزال الفوائد التي أجنيها من هذه الوظيفة في تزايد. فور انتهائنا من الدراسة في شهر يناير 2102 قمنا بإرسالها إلى إحدى المؤتمرات المحلية في أمريكا والتي تنظمها مؤسسة SWDS التي أسستها مجموعة أكاديميين كما تعني بعقد المؤتمرات والاهتمام بالأبحاث لأجل خلق حلول عملية لحل المشاكل التي تواجه المجتمع بشكل عام (و يعتبر التخصص الدراسي إحدى المشاكل التي تواجه المجتمع الطلابي تحديدا)، تم قبول هذا البحث من ضمن مجموعة بحوث مقدمة و عليه استلزم ذلك سفري مع أستاذة المقرر التي أعمل معها في شهر مارس الماض إلى الولايات المتحدة- ولاية تكساس. و في السفر كانت تجربة جديدة وجميلة كم تمنيتها منذ التحاقي بالجامعة، رأيت جزء آخر من العالم، رغم خوفي من الذهاب بمفردي إلى دولة أجنبية لأول مرة، و المضحك في الأمر أني لا أزال حديثة العهد بركوب الطائرة، إذ ركبتها أول مرة في عام 2102 شهر 2 في رحلة قصيرة إلى الإمارات، و كانت المرة الثانية شهر مارس 2102 إلى الولايات المتحدة! إجمالا حماسي لخوض التجربة غطى على مشاعر الخوف.

 

هناك في أمريكا تتعرف على الطابع العام للدولة منذ دخولك للمطار، حيث النظام و احترام الآخرين و الترحيب بهم على الدوام و أمور كثيرة لا يسعني ذكرها هنا. و للحديث عن المؤتمر نفسه، فقد شمل هذا المؤتمر أكاديميين من مختلف دول العالم، و العجيب أن طلاب الجامعات (غير الخريجين) كانوا على عدد الأصابع، حين سألت استاذتي عن ذلك أجابتني: أن هذا المؤتمر يخص الأساتذه و أصحاب رسائل الماجستير والدكتوراه و غيرها من المراتب الأكاديمية العليا، جئت بك إلى هنا لأشجعك و لتخوضي التجربة و تلتقي بأكاديميين. كانت محقة حيث أني أخبرتها مسبقا برغبتي بأخذ شهادة الدكتوراة في مجال النظم. أعجبني المبدأ الذي تعاملت به معي وكم أتمنى أن يكثر عدد الأستاذة اللذين يكتشفون مهارات الطلاب ويدفعوهم إلى البيئة المناسبة بما ينفعهم في الوقت الحالي و في المستقبل. وسأكمل طريقي في مجال البحث العلمي معها و سأقدم أيضا بحثا لمؤتمر آخر سيعقد في نوفمبر 2102 في ولاية فلوريدا بإذن الله.

 

إجمالا كانت تجربة ذات قيمة كبيرة على المدى القريب والبعيد حيث بدأت في البحث عن فرص لدراسة الماجستير والدكتوراه هناك، وجدت أن فرص التعليم أفضل بكثير. تعلمت أشياء كثيرة و صدقا أشجع من وجد الفرصة لأن يسافر وينطلق و يرى العالم أن يذهب دون أي تردد و أن يجتهد في البحث عن الفرصة إن لم تتوفر له. رحلة لابد من خوضها، فاجتهد في الإعداد لها و إن كانت رحلة البحث عن التخصص الدراسي الصحيح رحلة بها شيء من التعب و ضغط الأعصاب و التردد و الانتظار والخوف و غيرها من المشاعر السلبية إلا أن ذلك كله يزول و يبقى فخر الطالب بتغلبه على هذا كله واختياره الاختيار الصحيح بشجاعة و إصرار، و تمتعه بالنتائج الإيجابية جراء الاختيار المناسب. وجدت أن أكثر ما ساعدني لمعرفة ميولي الحقيقية هي الانخراط في أعمال أخرى خارجة عن الصف المدرسي أو الجامعي إضافة لمعرفة رسالتي و هدفي في الحياة. باعتقادي حين تعرف ذاتك جيدا و قدراتك ستعرف رسالتك و منها ستعرف أي مجال ستخدمه بفعالية في الحياة و الذي يبدأ من تخصصك الدراسي. تذكروا قصتي دائما، و أبذلوا دائما جهدا كبيرا لمعرفة تخصصكم الدراسي لتهنؤوا مستقبلا. 

طالبة في جامعة قطر

تخصص نظم معلومات إدارية
السنة الرابعة

 

Grow_up_Your_Career_With_Online_Education.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك