الجامعات الخاصة في الجزائر.. تقدم أم تراجع؟

10 مايو , 2017

أسقطت الحكومة الجزائرية أحد التابوهات الموروثة عن التراكمات السياسية والأيديولوجية، التي كانت تفخر برعايتها طيلة العقود الماضية، وهي مجانية التعليم العالي، حين وافقت على خصخصة هذا القطاع الذي كان حِكرًا على المؤسسات الحكومية، لكن الغموض لا يزال يَلُفُّ القرار الحكومي ويطرح أسئلة بشأن مصير التعليم العالي والآثار الاجتماعية، بعد أن تعوَّد الجزائريون على التعليم المجاني طيلة العقود الماضية.

 

التعليم العالي في الجزائر …جهود تبذل وأرقام تتحدث

عكفت الجزائر طيلة عقود على الحفاظ على ما يسمى بمجانية التعليم العالي، فانكبت على بناء نظامِ تعليمٍ عالٍ فعالٍ وعصريٍّ شكَّل مقصِدًا رئيسًا من مقاصد إصلاح منظومة التربية والتعليم في الجزائر؛ حيث عمدت إلى إحداث شبكة جامعية واسعة متنوعة؛ حيث أصبح عدد المؤسسات الجامعية يفوق 90 مؤسسة تغطي كافة مناطق البلاد، يزاول فيها حاليًّا أكثر من 1 مليون و500 ألف طالب دراستهم.

وبالمقابل، تعمل الجزائر من خلال وزارة التعليم العالي على توطيد علاقاتها مع المحيط الاجتماعي والاقتصادي قصدَ توفير فرص حقيقية أمام الطلبة بغرض إدماجهم مهنيًّا في النسيج الاقتصادي والاجتماعي القائم، وكذا تشجيعهم على إقامة مؤسسات ناشئة مع إبرام الجامعات لعقود شراكة مع المؤسسات الاقتصادية في إطار توطيد العلاقات بين الجامعة والمؤسسة.

كما واصلت الجزائر الجهود أكثر على نوعية التعليم والبحث العلمي من خلال العمل على إقامة نظام متكامل لضمان الجودة طبقًا للمرجعيات القياسية الدولية وإرساء الحكامة الراشدة للمؤسسات الجامعية “بما يمكن من تحسين تصنيف الجامعات الجزائرية على المستوى الإقليمي والدولي في عالم يتسم بمنافسة حادة في هذا المجال” حسب الوزير.

 

الجامعة الجزائرية تغرق في مشاكل بالجملة

ومع تلك الجهود تواجه الجامعة الجزائرية عدة مشكلات داخلية حالت دون قدرتها على مواكبة التطورات المعاصرة في تحقيق نوعية التكوين بتطوير الطاقة الإبداعية لدى الطلبة، وتطوير البحث العلمي وإنتاج المعرفة لدى الأساتذة، وتجلت هذه الأزمة في نوعية التكوين والتقويم الجامعي، حيث كثيرًا ما نجد طلبة ينجحون في الامتحانات نتيجة لتدخلات خارجية أو داخلية مع غيابهم عن الدراسة خلال السنة، أضف إلى اشتغال الأساتذة الباحثين بالصراعات والنزاعات.

ومن مظاهر أزمة الجامعة الجزائرية أيضًا انشغال نقابات الأساتذة في قضايا مادية بحتة وقضايا الترقية والتنافس على تقسيم الريع والمناصب الإدارية العليا، واستعمال الإضرابات كوسيلة ابتزاز ومساومة للإدارة الجامعية للحصول على مكاسب شخصية لمسؤولي النقابات.

أما أكبر عقبة تواجه جودة التكوين الجامعي والبحث العلمي هي الجهاز الإداري الذي تسيطر عليه عقليات بيروقراطية ومصلحية، همها الاستفادة من خدمات وامتيازات المنصب الإداري أكثر ما يهمها تقديم خدمات والقيام بواجبات، وهي كلها عوامل ساهمت في تدهور الجماعة مما جعلها تتذيل الترتيب العالمي.

 

الجامعة الجزائرية تخطو خطوة نحو الخصخصة

أعلنت قبل أيام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية فتح باب إنشاء مؤسسات خاصة للتكوين العالي، حيث دعت الراغبين في ذلك إلى إيداع طلبات الحصول على الرخصة إلى التقرب من مصالحها المعنية لسحب دفتر الشروط، مع ضمان شكل جامعة عندما تقدم تكوينات متعددة التخصصات مع احترام شروط التأطير البيداغوجي والإداري وتوفر الهياكل والتجهيزات العلمية الملائمة، في حين يمكنها أن تأخذ شكل مدرسة أو معهد عندما تضمن تكوينًا متخصصًا.

وقالت وزارة التعليم العالي الجزائرية أن باب الترشح مفتوح أمام مؤسسات خاصة بالتكوين العالي والأشخاص المعنويين الخاضعين للقانون الخاص الراغبين في إنشاء مؤسسات خاصة للتكوين العالي، ودعتهم للتقرب من مصالح المديرية العامة للتعليم والتكوين العاليين لسحب دفتر الشروط.

بالمقابل تؤكد الجزائر أن فتح الجامعة أمام الخواص هي عملية تخضع لشروط بيداغوجية وهيكلية مضبوطة، علمًا أن الاستثمار في هذا المجال قد استقطب اهتمام العديد من الخواص، حيث تم تسجيل إيداع أربعة ملفات في هذا الاتجاه، تم رفضها من قِبل اللجنة الوزارية المكلفة بدراسة طلبات رخصة إنشاء هذا النوع من المؤسسات لكونها منقوصة.

ويحدد القرار الخاص بشروط تسليم رخصة إنشاء مؤسسة خاصة للتكوين العالي جملة من المعايير التي يتعين على الراغبين في ولوج هذا المجال التقيد بها، على غرار إيضاح الميادين والشعب والتخصصات والشهادات التي يضمنها هذا النوع من المؤسسات، كما يشترط أيضًا تمتع مدير المؤسسة الخاصة بالجنسية الجزائرية فضلًا عن إثباته لشهاداته الجامعية وتجربته المهنية في مجال التكوين العالي، كما تم أيضًا تحديد آجال الفصل في طلبات الرخص، حيث يتعين على اللجنة الوزارية المكلفة بذلك إصدار قرارها في أجل لا يتعدى الثلاثة أشهر التي تلي تاريخ تسليم وصل الإيداع.

وفي ذات السياق حددت وزارة التعليم العالي الجزائرية طريقة تنظيم المؤسسة الخاصة للتكوين العالي، بحيث “يمكن للمؤسسة الخاصة أن تأخذ شكل جامعة عندما تضمن تكوينات متعددة التخصصات مع احترام شروط التأطير البيداغوجي والإداري وتوفر الهياكل والتجهيزات العلمية الملائمة، في حين يمكنها أن تأخذ شكل مدرسة أو معهد عندما تضمن تكوينا متخصصًا”

وعلى صعيد آخر شَدَّدَ القرار على وجوب تطابق البرامج البيداغوجية لعُروض التكوين التي تم إعدادها مع النموذج الذي أعدته الوزارة الوصية وكذا مراعاة محتويات البرامج تطبيق واحترام القيم الوطنية ورموز الدولة، كما هي محددة في الدستور على الخصوص علاوة على عدم تأثيرها بأي حال من الأحوال، على الوحدة الوطنية والأمن والدفاع الوطنيين.

 

خوصصة الجامعة تثير مخاوف الشركاء الاجتماعيين ودعوات بالتريث

حذرت تنظيمات طلابية في الجزائر من خصخصة التعليم الجامعي، متذرعة في ذلك بإمكانية تنصل وزارة التعليم العالي من مهامِّها والاستعانة بالقطاع الخاص لتسيير وتمويل الجامعات، مع أن نصيب الوزارة من الموازنة العامة، لم يتأثر كثيرًا بإجراءات التقشف الحكومي، لكن الغموض ما يزال يلف القرار الحكومي ويطرح أسئلة بشأن مصير التعليم العالي والآثار الاجتماعية، بعد أن تعوَّد الجزائريون على التعليم المجاني طيلة العقود الماضية.

بالمقابل ترى أطرافٌ أخرى أن التحفظ بشأن الجامعات الخاصة، التي ستفتح أبوابها قريبًا، يكمن في استقلاليتها عن الوزارة؛ لأنها تحدد مناهجها التربوية بنفسها، وتكون فيها الشهادات الجامعية محل شك وريبة، خاصة أن تلك الجامعات ستكون حكرًا على أبناء الأثرياء والمسؤولين، كما أبدى نقابيون من قطاع التعليم مخاوف من عواقب الخطوة في ظل ما وصفوه بـ”عدم تكافؤ الفرص بين الجامعة الحكومية الغارقة في المشكلات والاختلالات، وبين الجامعات الخاصة المنتظرة والمدعومة برؤوس أموال كبيرة، ومدى قدرة الوزارة على فرض نفس المناهج التعليمية”. وطالبوا بالحفاظ على مصداقية التسجيل والشهادات لمنع ظهور اختلالات طبقية اجتماعية غير مسبوقة في البلاد، بين الميسورين وعامة الشعب.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك