الجامعة مرجعية علمية أم مجرد مؤسسة خدماتية

8 ديسمبر , 2015

إن المراقب لحال الجامعات في وطننا العربي اليوم يدرك مدى تراجع دورها في صناعة النهضة المجتمعية والفكر،  وقد يصل الحد إلى القول أنها  عاجزة تمامًا عن التأثير في المجتمع حولها فما بالك بصناعة نقلة ثقافية فيه، ففي كل عام نشهد إنشاء معاهد جديدة و أقطاب جامعية جديدة- حتى وصل الحد في الجزائر مثلاً إلى  جامعة بكل ولاية تقريبًا – ومع هذا فإن هذا العدد من المنشآت لم يغير شيئًا في المظهر الثقافي للمجتمع.

وربما يعود ذلك  إلى نظرة المجتمع إلى الجامعة، فلم تعد الجامعة ذلك القطب الثقافي و المرجعية العلمية فهي لا تعدو عن كونها مؤسسات علمية تقوم بمنح شهادات يستطيع الطالب من خلالها الحصول على فرصة للعمل.

حقيقة و أنا أقرأ ذلك المقال الملهم للدكتور محمد عياش الكبيسي  والذي قارن فيه بين المدارس العلمية على مر تاريخنا الإسلامي و جامعاتنا اليوم بداية بشيوخ المذاهب الأربعة مرورا بالمدرسة الظاهرية في الأندلس و الزيدية في اليمن، والإباضية في عمان -وهنا لا يتحدث عن مناهجها وإنما يتحدث عن مدى وجود أثر لها في المجتمع- عارضا خلال مقاله ” بين الجامعات و الجماعات” تجربته مع المدرسة ” الأصفدية” بالفلوجة والتي كان لها دور كبير في الحفاظ على هوية الفلوجة العربية الإسلامية رغم كل ما مر بها من أحداث و أرجع ذلك إلى تلك العلاقات التي ربطت بين الأستاذ أو الشيخ و طلابه على مرور زمنه و تجاورزها إلى العلاقة بين الطلاب في بينهم، فقديما كانت هذه العلاقات تدوم لسنوات طويلة من الإتصال بينهم و التعاون العلمي إن لم نقل لحياة كاملة نظرا لعودة الطالب إلى شيخه ومعلمه كلما صعب عليه أمر أو مسأله علمية.

وهنا رجعت لتأمل حال تلك العلاقة بين طلاب الجامعة و أستاذتهم اليوم -والتي قد تحتاج إلى مقال منفرد لها-، هذه العلاقة التي لا تتعدى في أحيان كثيرة خربشات على ورقة الإمتحان، نتيجة إلى غياب “الشغف المعرفي” إن صح التعبير لدى الطلاب والمتأتي من إدراكهم لمعنى ” طلب العلم” من جهة وحاجتهم للمعرفة الحقيقية العميقة والتي تتطلب وجود مشرف وموجه لهم في رحلتهم المعرفية، وهو ما أدى إلى إكتفاء الطلاب بما يقدم خلال الحصص التعليمية هذا من جهة، وفي المقابل نجد غياب ذلك المعنى “للأستاذ الرسالي” الذي يعتبر مهنة التدريس رسالة وليس مجرد وظيفة عادية تنتهي بإنتهاء الدوام فيها، وهو ما يعود بنا إلى نظرة المجتمع إلى الجامعة، فكيف يمكن أن نتخذ مرجعية علمية من لم يعتبر عمله رسالة أخلاقية، وهنا يطرح السؤال: هل هناك معايير تقوم بها الجامعة بالبحث عنها قبل قبول أي حامل شهادة عليا للتدريس فيها، أم مشكلة نقص المؤطرين يضطرها لقبول كل من يملك المؤهل العلمي، وهو الجواب الغالب لسؤالنا، فكيف نتوقع  أن تتغير النظرة إلى الجامعة وهي لا تملك معاييرا انتقائية لمؤطريها.

ومن هنا وجب علينا السعي طلابا، أساتذة، باحثين ومسؤولين إلى إعادة ذلك الدور الريادي للجامعة باعتبارها سقف السلم التعليمي ومصنع الفكر المجتمعي ومكان تكوين النخب العلمية، وعليها يعتمد ذلك التغيير الفكري المجنمعي الذي نطمح إليه. والذي لن يتأتى إلا من خلال خلق إرتباط حقيقي بين جميع أطرافها من ثمة بينها وبين المجتمع .



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

[…] وهنا قد يقودني الحديث إلى ذلك المقال الذي سبق لي أن ناقشت من خلاله دور “الجامعة كمرجعية علمية أم مجرد مؤسسة خدماتية“. […]

أضف تعليقك