الزواج والدراسة: أين همزة الوصل؟

14 ديسمبر , 2015

إن أكثر الكتابات التي تشد القارئ تلك التي يستوحيها الكاتب من تجاربه الشخصية. ليس من الهيّن أن تجد كل شهر مواضيع مختلفة لمقالات تصب كلها في مجال واحد، مجال التعليم: على أهميته. فأول ما خطرت لي فكرة هذا المقال بدأت أدون كلماته في ساعة متأخرة  خوفًا من أن تذهب فكرتي ضحيةَ غزوِ النهار لليل.

وحين نبدأ في الحديث عن موضوع الزواج والدراسة قد نختلف في ماهية الزواج أولاً هل هو قدر محتوم لا يأتينا إلا بغتة، فإذا دقت ساعته وجب الانصياع له؟ أم أنه ظاهرة اجتماعية اختيارية يتسنى للمعنيين بها تحديد زمانها؟

أما إتمام الدراسة فإجباري هذا ما لا يختلف فيه اثنان ولا يتناطح فيه كبشان، الأنا والأنا الأعلى والسلطات العليا التي تتمثل في الوالدين  كلهم متفقون على أن طلب العلم هو غاية المنى.

لابد من البحث عن الرابط العجيب بين هاذين الأمرين. هل حقًا ينفي أحدهما الآخر كمغناطيسين يحملان نفس الشحنة موجبة كانت أو سالبة فيتنافران؟

المشكل الذي واجهني يتجاوز التفكير في القدرة على التوفيق بين الاثنين أو حجم المسؤولية أو الالتزام. أول أمر واجهته عندما أعلنت عن نيتي في إتمام الدراسة بعد الزواج، لا عفوا نيتي في الزواج أثناء الدراسة، أول عقبة واجهتني هي علامة خطر يتشارك في التلويح بها الأبوين ربما أحدهما أو كلاهما… خطر، خطر موت. وخاصة أن والدي أستاذين، لم أكن أستخف بالموضوع وأهمية إتمام دراستي الجامعية بل كنت أسعى أن أبرهن على قدرتي على التوفيق بين الأمرين. ولكن خوف الوالدين دائمًا يكون عظيمًا، هل هو خوف مضخم مبالغ فيه؟ أم هو خوف في محله؟ فلنلطف العبارات قليلاً لأن والديّ متابعان شغوفان لشبكة زدني ومنشورات ابنتهم العزيزة … وتظل الأسئلة مطروحة: ماذا لو رزقت  أطفالاً؟ ماذا لو تكاسلت عن الدراسة؟ ماذا لو ضيعت أهم سنين عمرك التي من المفترض أن تحصدي فيها من العلم الكثير الكثير، السنوات التي ستحدد مستقبلك.

كنت آن ذاك في السنة الأولى من الجامعة وكنت أدرس علم القانون ولكنني أحلم أن أصبح صحافية. كنت اخترت هذا التوجه عن قناعة لأن الكثيرين ممن التحقوا بمعهد الصحافة لم ينصحوني بالالتحاق به لأن التكوين الجامعي الذي تقدمه الجامعة ضحل وأنه من الأفضل لي أن أختار توجهًا قريبًا ثم أمارس مهنة الصحافة التي قد لا تحتاج بالضرورة إلى شهادة جامعية. استخرت ثم عزمت على دراسة القانون بكلية الحقوق والعلوم السياسية واستهوتني هذه الدراسة بما فيها من منهجية منطقية جعلت علم القانون مزيجًا من العلوم الصحيحة والعلوم الإنسانية، وكان ميلي هذا يعود إلى أن تخصصي في المرحلة الثانوية كان علميًا بحتًا وقد اجتزت الثانوية العامة شعبة رياضيات وفي هذا الانتقال من الرياضيات إلى القانون قصة طويلة أخرى ربما تسمح لي الفرصة فأحدثكم عنها يومًا.

نجحت بتفوق في سنتي الأولى تلك وكنت من الأوائل  مما صعب الأمر أكثر لأنني لو تزوجت علي أن أنتقل إلي دولة أخرى.  وكنت أعد نفسي أولاً وأعد والدي أنني سأسجل هناك في الجامعة وأبدأ من جديد واختار التخصص الذي طالما حلمت به … إنها لفرصة عظيمة فلا يتاح  للإنسان دومًا أن يجدد اختياراته ويراجعها.

تم الزواج وتم السفر ولكن تأخرت في حصولي على إقامة هناك تخول لي الدراسة في الجامعة قد حصل ومرت سنة دون ألتحق بالجامعة زادت فيها التخوفات والضغوطات.

ثم وأخيرًا التحقت بجامعة تونسية افتراضية تدرس عن بعد والتحقت بالسنة الثانية في علم القانون مرة أخرى عسى أن يحدث الله بعد ذلك أمرًا.

في النهاية من الخطأ أن نصنف الزواج كعائق أمام مواصلة الدراسة وهذا التصنيف بالأساس يعود إلى الشخص في حد ذاته، مدى إصراره على تحقيق أهدافه، رؤيته الخاصة  لمفهوم ولأهمية كل من الزواج والتعليم . نحتاج في مجتمعنا اليوم أن نثور على المسلمات والقوالب الجاهزة وخطط النجاح المرسومة بطرق معينة لا حياد عنها. وليس تأخير الزواج من التقدم في شيء كما ساد مؤخرًا في مجتمعاتنا العربية بل قد يكون سببا في فسادها وخلق نوع من عدم التوازن فيها.

لوالديّ جزيل الشكر لمساندتهما لي في جميع اختياراتي، كانا ولا يزالا يقدمان لي النصح دومًا ويصران على رأيهما أحيانًا ولكنهما لم يجبراني يومًا على أن أسلك طريقًا معينًا فإذا عزمت أمري واخترت أي طريق كان، يصبحان خير سند وخير معين لي.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك