اللوائح الطلابية في مصر.. تاريخ من الصراع يعيد نفسه

27 يناير , 2018

يُعاني المجتمعُ الطلابيُّ في مصرَ من عدة مشكلات، وبما أنَّ نَمَط الحياة عامةً، والحَرَاك الطلابي خاصةً، يسير وَفقًا للقوانين التي تنظم مسيرتهم؛ فإنه من السهل الوصول إلى واقع أفضل من خلال قراءة التاريخ.

القوى الطلابية في مصر تشهد نزاعًا دائمًا مع السلطات منذ القدم، فطالما كان الطلاب قوًى فاعلةً في الحَرَاك الوطني، حتى مِن قبل وجود لائحةٍ تنظم عملَهم، ومن الواضح أن اللوائح الطلابية جاءت لتقييد الحراك الطلابي بدلًا من إعطائه مزيدًا من الحرية وَفق مسير منظَّم.

 

سنأخذ في هذا المِلَف جولةً في تاريخ اللوائح الطلابية ومدى تأثيرها على العمل الطلابي بشكل عامٍّ، وبخاصةٍ عمل الاتحادات.

 

في مصر تنقسم اللائحة الطلابية إلى شقين، تنفيذية، ومالية وإدارية؛ في نوفمبر الماضي صدرت تعديلات جديدة في الشق التنفيذي من اللائحة الطلابية، بعد مرور عام من تشكيل لجنة مهمتها تعديل هذا الجانب من اللائحة.

 

لكنها كغيرها من اللوائح الطلابية والتعديلات التي تمت على كل منهما، أثارت القلاقل في الوسط الطلابي والمنظمات المهتمة بالحريات والحقوق الأكاديمية، واتُّهمَتْ بأنها نسخة طبق الأصل من لائحة 2007 المعدلة عن لائحة 79 المسماه بـ “لائحة أمن الدولة”.

 

الطلاب على كوبري الجامعة

 

تاريخ الاتحادات الطلابية في مصر

ربما بدأ الحراك الطلابي في مصر منذ عهد مصطفى كامل مؤسس الحزب الوطني في 1905، مرورًا بمحمد فريد وسعد زغلول، إلى أن زاد اشتعالًا في ظل جمال عبد الناصر وأنور السادات.
اتخذ الحراك الطلابي بوصفه كِيانًا أسماء عديدة، إلى أن أصبح كيانًا طلابيًا تحت اسم “اتحاد الطلاب” ينظم عمله مجموعة من القوانين تحت اسم “اللائحة الطلابية”، تضمنت اللائحة الطلابية بابًا خاصًا بالاتحادات الطلابية تنظم عمل الاتحادات بشكل كامل، على مستوى الكليات والجامعات والجمهورية.

 

اللوائح الطلابية في مصر.. التاريخ يعيد نفسه

لطالما تُتَّهم الحكومة باستخدام اللوائح الطلابية والقوانين لتحجيم العمل السياسي وتقييد عمل الاتحادات؛ وعلى مدار السنوات الماضية اتخذ التضييق على العمل الطلابي أشكالًا عدة، إلى أن انفصل العمل السياسي عن عمل الاتحادات بشكل ملحوظ.

 

وتتوقف فعالية العمل الطلابي العام على المناخ السائد في المجتمع، فكلما تزايدت أجواء الحرية، كلما ازداد بروز النشاط الطلابي، مع ملاحظة أن الحركة الطلابية كانت دائمًا في طليعة المطالبين بالديمقراطية، فارتبطت المسألة الديمقراطية داخل الجامعات دائمًا بقضية الديمقراطية في البلاد ككل.. الكاتب أحمد عبد اللهالطلبة والسياسة في مصر

 

أول لائحة طلابية في مصر

بالرجوع إلى تاريخ اللوائح الطلابية في مصر فإن أول لائحة صدرت في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر في عام 1958؛ واتُّهِمَتْ بحظر العمل السياسي وتقييد العمل الطلابي، كما أنها لم تترك الاتحاد خاصًا بالطلاب، فكان مجلس الاتحاد يتشكل من أعضاء هيئة تدريس وخريجين، وعدد أقل من الطلاب.

 

جمال عبد الناصر

 

صدرت تعديلات على لائحة عبد الناصر، إلا أن جميع ما صدر من لوائح في عهده اتسم بتقييد حركة العمل الطلابي وحظر العمل السياسي، سواء لائحة 1958 أو الإصدارات المُعدَّلة لها، ففي أول تعديل، الصادر بتاريخ 1963، ظل الضغط الأمني والحظر السياسي كما هما، لكنها سمحت باقتصار الاتحادات على الطلاب وتحدثت عن ريادة عضو هيئة تدريس للاتحاد.

 

وفي تعديل 1966 ظل الوضع كما هو مع الحديث عن تعاون مباشر بين اتحاد الطلاب ومنظمة الشباب لتنفيذ السياسات العامة، حتى جاء تعديل 1968، والذي أتاح إنشاء اتحاد طلاب مصر، كما سمح بمساحة من الحركة في العمل الطلابي في إطار الفكر الناصري، وأضيف إلى هذا التعديل بند عام 1969 نص على ريادة أعضاء هيئة التدريس لكل نشاط من أنشطة الاتحاد.

 

أنور السادات” واللائحة الطلابية الأفضل في مصر

تتابعت الأحداث إلى أن أصدر السادات لائحة جديدة عام 1976، والتي يَعُدُّها بعض الناس الأفضل في تاريخ اللوائح الطلابية في مصر؛ وقد قيل عنها في تقرير لمؤسسة حرية الفكر والتعبير في 2008، أنها حملت العديد من المشكلات، إلا أنها تركت مساحةً ما من الحركة.

 

وجاء في التقرير أنها حظرت أي عمل طلابي خارج إطار الاتحاد، لكنها اعتبرت العمل السياسي أحد أشكال العمل الطلابي المتاحة، كما اعتبرت التواصل مع المؤسسات السياسية خارج الجامعة أحد أهداف الاتحاد، وأكدت على تواجد اتحاد طلاب الجمهورية، واستبعدت وجود أعضاء هيئة التدريس في الاتحاد.

 

تَعَلَّمَتِ الحكومةُ الدرسَ جيدًا، بأن الطلاب يشكلون خطرًا حقيقيًّا عليها من خلال قدرتهم على التأثير في الشارع المصري، وهنا جاءت لائحة 79 الأشهر، والأطول عمرًا في تاريخ اللوائح الطلابية، وانتهت معها الكثير من أشكال العمل الطلابي التي كانت متاحة أحيانًا، وعلى رأسها العمل السياسي، وفُرِضَ عددٌ من القيود كانت نتيجتها الطبيعية ما وصل إليه الحال الآن.. من تقرير الحقوق والحريات الطلابية في ضوء التعديلات الأخيرة 

مؤسسة حرية الفكر والتعبير

 

لم يتمتع الطلاب بتلك اللائحة سوى 3 أعوام حتى صدرت لائحة 1979 والتي جاءت عقب خروج طلاب الجامعات في تظاهرات احتجاجية ضد غلاء الأسعار والفساد، وتضمنت إلغاء اتحاد طلاب الجامعات والجمهورية، وأبقت فقط على اتحاد طلاب الكليات والمعاهد.

 

جدير بالذكر أن صدور تلك اللائحة قد سبقه كذلك زيادة نفوذ الإسلاميين في الجامعات، وتمكنهم من السيطرة على الاتحادات ما بين عامي 1977 و1978.

 

وقد أعادت تلك اللائحة مشاركة أساتذة الجامعات والإداريين في مجالس الاتحاد، الأمر الذي كان قد انتهى نسبيًّا ضمن تعديلات ما قبل السادات، كما أعادت الحرس الجامعي من جديد مع زيادة التدخلات الأمنية، وأصبح للأمن الحق في قبول ورفض المرشحين.

 

استمر الوضع كما هو عليه إلى أن أتى حسني مبارك وأصدر لائحةً جديدة في 1984، أعادت اتحاد طلاب الجامعات من جديد واختصت الطلاب بالاتحادات، على الرغم من أنها أبقت القيود الأمنية كما هي.

 

وقد مَثَّلَتْ القيود الأمنية في عهد مبارك سببًا قويًّا في قلة اهتمام الطلاب بالاتحادات، ما دعا عددًا من الحركات الطلابية إلى الاتجاه إلى إنشاء اتحاد الطلاب الحر.

 

أدى هذا التحرك الطلابي إلى فرض قيود أمنية جديدة شملت القبض على عدد من طلاب جماعة الإخوان تلاها إصدار مبارك للائحة 2007 الطلابية، والتي وصفتها المؤسسات الحقوقية الطلابية والحراك الطلابي بأنها أضفت مزيدًا من القيود على حرية العمل الطلابي حتى رحيل مبارك عقب ثورة 25 يناير.

 

محتوى خاص بأحد المواقع الإخبارية، يوثق الحراك الطلابي منذ عام 2008 حتى عام 2014

 

الحراك الطلابي بعد ثورة يناير

بعد رحيل مبارك حاول الطلاب تحقيق أحلامهم سواء بإعادة اتحاد طلاب مصر من جهة، أو إصدار لائحة طلابية جديدة تضمن حقوق وحريات الطلاب من جهة أخرى، لكن على الرغم من إصدار العديد من اللوائح والتعديلات عليها إلا أن الوضع بدأ في العودة تدريجيًّا كما كان عليه من قبل.

 

بدايةً خَيَّمَتِ الآمال على الحراك الطلابي كما كان الحال في مصر بشكل عامٍّ في ذلك الوقت، وتمت أول انتخابات طلابية عقب 25 يناير مع الجدل الذي حدث حينها بين الطلاب حول رفض إقامة الانتخابات وفقًا للائحة مبارك 2007 ودعوات بعضهم إلى تغيير اللائحة قبل بَدْء الانتخابات.

 

نتج عن الانتخابات فوز الطلاب المستقلين، تلاها تحركات طلابية انتهت بإقامة مؤتمر في أغسطس 2011 حضره طلاب اتحادات الجامعات الحكومية وعدد من طلاب اتحادات الجامعات الخاصة للاتفاق على صيغة مشتركة لعودة اتحاد طلاب الجمهورية.

 

وتم الإعلان عن اتحاد طلاب مصر، والذي كان له دور في العديد من الأنشطة من بينها الدعوات للتظاهرات المطالبة بإقالة القيادات الجامعية في سبتمبر 2011 والعمل على إقرار لائحة جديدة تضم المبادئ التي تَشَكَّل الاتحاد لإعلانها.

 

وقد شَكَّلَ الاتحاد مؤتمرًا في أكتوبر 2011 نتج عنه إصدار لائحة 2012 لكنها لم ترضي طلاب الحركات السياسية واعترض عليها طلاب الاتحادات كذلك بحسب ما جاء في تقرير لمؤسسة حرية الفكر والتعبير المتخصصة في شؤون الحريات الأكاديمية، وانطلقت دعوات لتظاهرات منددة بما أتت به اللائحة.

 

صدرت لائحة جديدة ألغت سابقتها في يناير 2013 بعد تولي الرئيس الأسبق محمد مرسي رئاسة البلاد، وقد أقرت باتحاد طلاب مصر، وأتاحت باختياره بالتصويت إلا أنها أثارت الجدل في الوسط الطلابي، وفي فبراير 2013 استحدثت لائحة طلابية جديدة سميت “اللائحة المالية والإدارية”، وقد جاءت لتُكْمِل ما أتت به اللائحة التنفيذية، وشملت الأمور المالية والإدارية للاتحاد مثل آلية صرف أموال الاتحاد ومواعيد الاجتماعات الدورية وغير ذلك من الأمور.

 

وقد تَشَكَّلَتْ لجنةٌ من اتحاد طلاب مصر والمجلس الأعلى للجامعات وقَدَّمَا اقتراحاتهما بشأن تعديلات بعض مواد اللائحة، بيد أنه لم يحدث أي جديد حتى تم إيقاف العمل باللائحة بشكل تام عقب رحيل مرسي عن حكم البلاد، ولم يأت اتحاد جديد حتى عام 2015

 

خلال الفترة من 2013 حتى وجود الاتحاد الجديد في 2015، صدرت لائحة مالية وإدارية جديدة في نوفمبر 2014، لكنها هي أيضًا لم تأت بالمرغوب، فقد شملت منع العمل الحزبي داخل الجامعات، وهو ما زاد من قلاقل المهتمين بالعمل الطلابي.

 

خصوصًا أن الصراع الطلابي في هذه الفترة مع قوات الأمن كان ما زال متأججًا داخل وخارج أروقة الجامعات منذ تولي مرسي حكم البلاد، والذي ظل مستمرًا حتى بعد تولي السيسي رئاسة البلاد، وزيادة القمع الأمني الذي يكاد يكون مَنَعَ الحراك الطلابي مع مرور الوقت حتى وقتنا هذا.

 

“الانتماء إلى جماعة إرهابية” وشرط “أن يكون الطالب له نشاط ملحوظ” مصطلحات مطاطة، والاختيار من بين الطلاب سواء له نشاط أم لا يرجع إلى الناخبين، وليس دورَ لجنةِ تعديل اللائحة الطلابية.. محمد شلبي الأمين العام لطلاب مصر القوية في تصريح صحفي حينها

 

 

وقبل إجراء الانتخابات أُدْخِلَتِ التعديلات على هذه اللائحة في أكتوبر 2015 بالتزامن مع قرب الانتخابات الطلابية التي كان قد تحدد موعدها، وقد أجرى هذه التعديلات وزير التعليم الجديد حينها الدكتور أشرف الشيحي.

 

إلا أنها أتت بشروط جديدة قوبلت بالاعتراض كشرط عدم قبول ترشح أي من الطلاب الذين وقع عليهم جزاءات تأديبية، وكذلك من لم يسدد المصروفات الدراسية، إلى جانب شرط عدم قبول الطلاب المنضمين إلى أي جماعات إرهابية، وشرط أن يكون قد سبق للطالب المترشح “نشاط ملحوظ”.

 

 

لا أحد في الدول المتخلفة يفتح بطن التاريخ؛ ليتعلم من تجارب الذين “خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِ”؛ ولذلك يجد التاريخ لدينا أنه من الأسهل أن يعيد نفسه بانتظام بدلًا من أن ينشغل بصناعة أحداث جديدة، فهو يعلم أنه لا قائلَ: “انتظر أيها التاريخ“..  

الكاتب بلال فضل – فتح بطن التاريخ

 

 

التعقيدات التي شابت اللوائح والانتخابات الطلابية في مصر

بالرجوع إلى تاريخ اللوائح الطلابية يتضح أن الانتقادات التي وجهت إلى مجموع اللوائح الصادرة متقاربة جدًّا، وتكاد تكون واحدةً؛ مما يعني أن صانعي القرار لم يُولوا اهتمامًا بقراءة التاريخ، ما يزيد من تعقيد العلاقة بينهم وبين الطلاب.

 

عديد من الانتقادات توجَّهُ لإصدارات اللوائح وتعديلاتها المتكررة، ومع اختلاف البنود الموجه إليها النقد إلا أنهم يندرجون تحت مضمون واحد، فدائمًا تنحصر الانتقادات في الانتقادات التالية أو أحدها: (شمول اللائحة على بنود مطاطة، تقييد عمل الاتحاد، فرض القيود الأمنية).

 

أو كما وصف المعنيون اللائحة الحالية ولائحة 2013 بوجود خطأ قانوني في عملية إصدارهما، فكان من المفترض أن يصدُرَا بقرار من رئيس الجمهورية بحسب ما جاء في المادة 196 من قانون تنظيم الجامعات بما لا يخالف دستور 2014 بحسب المادة 170.

 

 

أما عن أكثر المواقف المثيرة للانتباه، فعلى سبيل المثال بعد رحيل محمد مرسي عن الحكم، ألغي العمل باللائحة المالية والإدارية، وتم إصدار لائحة جديدة، وتم تسيير عمل الاتحادات فيما بعد وفقًا للائحتين، الأولى اللائحة التنفيذية التي صدرت في عهد الإخوان، والثانية هي المالية والإدارية التي أصدرها السيد عبد الخالق في 2014 مشمولة بتعديلات الشيحي الصادرة في 2015.

 

كما شهدت عملية الانتخابات بعض التعقيدات كالإلغاءات والتأجيلات غير المبررة، مثلما حدث في الانتخابات الأخيرة، حيث تم تأجيل إصدار اللائحة الطلابية ما تسبب في تأجيل الانتخابات، إلى أن تمت الانتخابات في عجلة من الوقت ومع قرب بدء امتحانات منتصف العام، فتصدر الفوز بالتزكية المشهد.

 

وكذلك ما حدث بعد رحيل الإخوان عن الحكم، حيث ألغي العمل باللائحة إلى حين تعديلها، بعدها تم تأجيل الانتخابات إلى أن انتهى الوضع بإلغاء الانتخابات، واستمر الوضع لمدة عامين بدون انتخابات.

 

هل تُصدر اللوائح الطلابية لإرضاء سياسات الدولة أم تحسين أوضاع العمل الطلابي؟

بالنظر إلى تاريخ إصدار اللوائح الطلابية في مصر والانتقادات التي توجه إليها يستوقفنا سؤال، لماذا تُصدَر اللوائح الطلابية في مصر؟ ولماذا لم يلتفت المسؤولون وأصحاب القرار إلى أهمية مشاركة الطلاب في إصدار اللوائح والقوانين التي تسير أعمالهم؟

 

كما أن تحليلات المنظمات المهتمة بالحقوق والحريات الطلابية في مصر نجد أنها تُرجِع أسبابَ عدم التوافق بين الجهات المختصة والطلاب إلى انعدام مشاركة الطلاب في إعداد اللوائح التي تنظم عملهم؛ ووفقًا لما جاء في تقرير للمركز الحقوقي “عدالة” فإن خطوة التعديل دائمًا ما تأتي برغبة فوقية من وزارة التعليم العالي.

 

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك