المتاجرة بالعلم والمعرفة…وبيع للوهم !

1 مايو , 2015

سلوكيات دخيلة تلك التي بات يشهدها قطاع التعليم والبحث العلمي في الجزائر والعالم العربي عموماً، أين تحولت المعلومة من قيمة علمية ومعرفية تتشارك في امتلاكها الإنسانية إلى مصدر لتجارة مربحة تدر الملايين على محتكريها، ولما كان هذا سلوكاً منافياً لتعاليم الدين الإسلامي والرسالة المحمدية الذي كانت بدايات ظهورها بالحث على العلم والتعلم، فإنه من الواجب علينا كمسلمين التصدي لهذه الظاهرة ولو بالكلمة وذلك أضعف الإيمان، وتتخذ المتاجرة بالعلم والمعرفة عدة صور نذكر منها ما يشكل أسوء صور هذه الظاهرة :

أولاً: الدروس الخصوصية:

لا يخفى على المتابع لشؤون مجال التربية والتعليم في الجزائر، أن الوضع المادي للمعلم في أطوار التعليم الثلاث (الإبتدائي، الإكمالي والثانوي)، قد تغير بشكل كبير إلى الأحسن، حتى باتت أجور المعلمين اليوم تضاهي أجور الإطارات السامية للدولة، ناهيك على امتيازات وتحفيزات أخرى تضاف إلى هذه الأجور، وبشكل عام فإن هذا الوضع المريح للمعلم أو الأستاذ يغنيه عن السعي إلى العمل والتربح من جهات أخرى بخلاف مهنته كمعلم، وما بالك إذا كان هذا العمل هو نفسه عمله الأساس كمعلم في المدرسة لكن في إطار تجاري وربحي بحت، وهو الأمر الذي يحيد هذه المهنة عن رسالتها النبيلة الأساسية القائمة على حمل وتمرير رسالة العلم بحس مسؤول من قبل المعلم إلى مختلف الأجيال، ويعطي انطباعاً خاطئاً عن هذه المهنة لدى الغير وبالأخص لدى التلميذ .

وتزيد صورة هذه الظاهرة سوءاً عندما يقوم الأستاذ ببتر الدروس المقررة داخل المدرسة أو القسم، ليعلم تلاميذه بأنه من أراد استكمال الدرس ما عليه سوى الاتصال به والتسجيل لديه لتلقي دروس خصوصية بعيداً عن أسوار المدرسة، وياليتها كانت دروساً إضافية، بل هي استكمال لدرس المدرسة وربما تكرار للنصف الملقن بداخل المدرسة.

وتزداد هذه الظاهرة في الانتشار مع اقتراب موعد اجتياز الشهادات الأساسية في الجزائر، كشهادة التعليم الثانوي أو الباكالوريا وما أدراك ما الباكالوريا، بشكل يوحي للمتتبع وحتى المعنيين بالأمر من التلاميذ وأوليائهم أن النجاح في هذه الشهادة وغيرها لا يمكن له أن يتم بغير دروس خصوصية، وما يعنيه ذلك من أعباء مالية إضافية على عاتق أولياء الأمور، ولربما تقل شدة سوء هذه الظاهرة لما يقوم بهذه المهمة أساتذة عاطلين عن العمل أو الطلبة حديثي التخرج والعاطلين عن العمل، او حتى الأستاذة المتقاعدين لما لهم من خبرة طويلة وحس كبير بثقل وأهمية رسالة العلم .

وجدير بالذكر، أن هذه الظاهرة تلقي بظلالها لاحقاً بشكل سلبي على مشوار هذا التلميذ حينما يصبح طالباً في الجامعة، بحيث أن أبرز ما يلاحظ على الطالب الجامعي في خطواته الجامعية الأولى إتكاليته الكبيرة على الأستاذ، متناسياً بأن هناك فوارق كبيرة بين مرحلتي التربية والتعليم، والتعليم العالي والبحث العلمي، هذه الأخيرة يكون فيها الطالب الجامعي ملزماً بالاتكال على نفسه في البحث والتحري عن المعلومة وفق منهجية معينة تفرضها طبيعة تخصصه، في حين يصبح دور الأستاذ في هذه المرحلة دوراً توجيهياً وتقييمياً لأداء الطالب فحسب .

ومن هنا، لابد على التلميذ في مراحل تعليمه الأولى أن يهيئ نفسه ويكون شخصيته لما هو قادم من مراحل تعليمية أعلى، على هذا النحو الذي يقلل أو يحد من اتكاله التام على الأستاذ، وهذا لا يكون سوى بالاتكال على النفس في المراجعة أو المذاكرة والبحث عن المعلومة من مصادرها الرسمية، وعدم الاكتفاء بما يتم تلقيه من قبل الأستاذ في داخل القسم، وليدرك هذا التلميذ أن من يحضر ويستوعب كافة الدروس المقررة في المدرسة، ومن يقوم بمراجعتها في حينها لن يحتاج إلى أي وسيط آخر للنجاح بخلاف ما قام به من مجهودات على مدار السنة .

ثانياً: الدورات التدريبية أو التعليمية:

انتشر في  الجزائر مؤخراً وحتى في العالم العربي عموماً، ما بات يعرف لدى العام والخاص بمراكز البحث والتدريب، وهي أغلبها مؤسسات تجارية خاصة لا تتبع لأي قطاع تعليمي حكومي، قوامها تقديم دورات تعليمية أو تدريبية لفئات معينة من المجتمع تتوج بشهادات، وكل ذلك بمقابل مالي يدفع إلى القائمين عليها. إلى هنا يبدو الأمر عادياً، لكن الشخص المحتك بهذه الجهات يدرك تماماً أن ما تقوم به هذه المراكز في الأساس هو بيع للوهم! .

فكيف لا يكون ذلك بيعاً للوهم؟ وعناوين هذه الدورات المفخمة إلا على شاكلة: “دورة لإعداد خبير في القانون…” لا تعكسها المواد العلمية المدرجة فيها كماً وكيفاً، كما لا تعكسها مدة هذه الدورات التي لا تتعدى اليوم أو اليومين في كثير من الأحيان، وحتى بضع ساعات في بعض الحالات، كيف لا يكون ذلك بيعاً للوهم؟ والأساتذة الذين من المفترض أنهم سيؤطرون ويخرجون مشاركين كخبراء في مجالات معينة، لا يرقون إلى درجة الأستاذية التي تخول لهم تكوين وتأطير الغير، فلا هم حملة لشهادات في التخصص المراد تكوين المشاركين فيه، ولا هم أساتذة في جامعات يعرفها القاصي والداني، كيف لا يكون ذلك بيعاً للوهم؟ وتلك الشهادات التي تمنح من قبلهم للمشاركين في دوراتهم لا تعترف بها أية جهة حكومية، وسواء تعلق الأمر بالدراسة أو التوظيف.

وعلى الرغم من كافة العيوب والمساوئ السالف ذكرها ورغم التحذيرات الرسمية وغير الرسمية بضرورة تجنب الوقوع في شرك هذه الجهات، إلا أن العديد من الأشخاص سواء كانوا أساتذة أو طلبة أو محامين…إلخ من الفئات التي تشكل نخبة المجتمع، تسارع في كل مرة إلى التسجيل والمشاركة في هذه الدورات التي لا تسمن ولا تغني من جوع كما سبق لنا بيانه، ويحدث ذلك بالرغم من مغالاة هذه الجهات في أسعار التسجيل والمشاركة، وتخصيص هذه الدورات لفئات معينة دون غيرها في تقسيم عنصري كاستهداف المحامين المعروف عنهم حالتهم المادية الميسورة، وإقصاء الطلبة الذين لا يملك غالبيتهم مصدراً للدخل المادي .

* نماذج مشرفة للتعليم المجاني :

إذا كنا قد رأينا فيما سبق بيانه أسوء الصور التي تترجم ظاهرة المتاجرة بالعلم والمعرفة في عالمنا العربي، فإنه لا يجب أن يكون ذلك الشجرة التي تغطي النماذج الإيجابية والمشرفة في هذه البقعة من العالم وغيرها، التي تقدس رسالة العلم وتشجع على حق الجميع في التعليم، من خلال تشجيع فكرة مجانية التعليم.

أولاً: المدرسة والجامعة الجزائريتين :

تعتبر الجزائر نموذجاً رائداً في مجانية التعليم بمدارسها وجامعاتها، فالتعليم المجاني الذي تحميه وتشجع عليه كافة المواثيق الدولية المختصة، مكفول دستوراً للمواطن الجزائري، بداية من مراحله التعليمية الأولى بالمدراس وانتهاءً إلى أعلى درجة علمية ممكنة بالجامعة الجزائرية، وهو ما أسهم في الحد من ظاهرة الأمية التي خلفتها سنوات الاستعمار الفرنسي الغاشم في الجزائر على مدار قرن ونصف قرن من الزمن.

ثانياً: المنح التعليمية الحكومية:

تعد المنح الحكومية التي تمنحها حكومات الدول المتقدمة من العالم لمواطني أو طلبة دول العالم النامية أو تلك السائرة إلى النمو، في تواريخ مواعيد معينة من كل موسم دراسي أو جامعي بمثابة النماذج الراقية والهادفة، ليس فقط لأنها منح مجانية لتعليم شامل أو متخصص، وإنما لكونها تعزز العلاقات بين دول العالم وشعوبها، وتسهم في النقل والتعريف بثقافات هذه الشعوب فيما بينها، كما أنها تؤكد على الطرح الذي سبق لنا وأن بيناه، والذي مفاده اشتراك الإنسانية كلها بلا استثناء في امتلاك المعلومة والمعرفة، وحقها وحريتها في البحث عن المعلومة وتلقيها بشكل مجاني وغير تجاري .

ثالثاً: المواقع الإلكترونية التعليمية التشاركية:

يمثل موقعي الموسوعة الحرة “ويكيبيديا” ومحرك البحث “غوغل” أبرز المواقع التشاركية التي تعنى بمشاركة المعلومة بين متصفحي شبكة الإنترنت على الصعيد العالمي، وذلك على النحو الذي يغيض دعاة احتكار المعلومة والمعرفة والمتاجرين بهما ويهدد مستقبل تجارتهم، أما على الصعيد العربي فنجد “موقع شبكة زدني التعليمية” الذي شكل نموذجاً عربياً رائدا وفضاءً رحباً بين الطلبة العرب في المنطقة العربية وحتى العرب في الخارج، ليتبادلوا المعلومات والخبرات التعليمية فيما بينهم بشكل مجاني وبدون أية قيود مادية تذكر، بل على العكس من ذلك وفي تأكيد منها على أن رسالتها وكذا المبادئ التي تقوم عليها أسمى من أية اعتبارات أو طموحات تجارية أو ربحية، خصصت هذه الشبكة المحترمة عدة جوائز ذات قيمة مالية معتبرة لأقلامها المتميزة تشجيعاً لها على مواصلة إبداعاتها لإثراء هذه الشبكة، وذلك خدمة للطالب العربي بالأساس ولتكون سنداً للأجيال القادمة من التلاميذ والطلبة العرب .

أما على الصعيد الوطني الجزائري، فنذكر على سبيل المثال لا الحصر موقعنا المتواضع المسمى “مدونة القانون الجديد”، الذي أشرفت شخصياً وبمعية بعض الأصدقاء بتأسيسه والإشراف عليه وتجديده بشكل يومي، وهو يعيش حالياً سنته الرابعة منذ إنشائه في 11 من شهر سبتمبر لسنة 2011، وكانت غايتنا في ذلك خدمة طالب الحقوق الجزائري والعربي، من خلال رصد وتجميع المراجع القانونية اللازمة، وتقديما مجاناً لإعانة الطالب على إنجاز واجتياز واجباته كطالب من بحوث وامتحانات، وصولاً إلى نشر إعلانات التوظيف ذات الصلة بالتخصص بالنسبة للطلبة المتخرجين .

ختاماً يحق لنا القول بأن مجانية التعليم تتميز عن المتاجرة به وبكل ما اتصل به من علوم ومعارف، في كون مجانية التعليم تصب في الصالح العام والمنفعة العامة، في حين تقتصر مصلحة المتاجرة بالتعليم على المتاجر بها، لاسيما إذا كانت الخدمة أو المنتوج العلمي المقدم فيها لا يرقى للمستوى المطلوب كما سبق لنا بيانه، ونحن هنا لا ننكر على أصحاب الإبداعات العلمية والأدبية والتقنية الأصيلة والجدية حقوقهم المالية والأدبية على منجزاتهم الفكرية، لاسيما ونحن نعيش في عصر اقتصاد المعرفة، بقدر ما نندد بالمتاجرة بالعلوم والمعارف، التي هي في الأصل علوم ومعارف عامة من حق الجميع الحصول عليها بشكل مجاني.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك