برنامج للكاميرا الخفية أم مصنع فعلي للقيم

18 أغسطس , 2015

لا يمكننا الحديث عن نهضة تعليمية ومجتمعية دون الحديث دور الإعلام في هذه النهضة، فلا أحد ينكر دخوله في تفاصيل حياة الأفراد وفي تشكيل معارفهم بل وحتى منظومة القيم لديهم، و لأجل هذا يبحث الكثيرون عن بديل لما يعرض على شاشاتنا وقنواتنا  باعتبار أن أغلب المادة المعروضة عليها لا تأخذ باعتبارها خصوصية مجتمعاتنا العربية.

لذا يعتبر  موقع “يوتيوب ” مثلًا من أكثر المواقع المفضلة لدى فطالما كان رفيقي خلال فترات فراغي أو حتى أثناء فترات عملي على مشاريعي الدراسية، حيث يقوم الموقع باقتراح مقاطع فيديو وفقًا لما تتابعه غالبًا، و لأن أغلب ما أشاهده هو مقاطع للبرامج الاجتماعية بدرجة أولى  فقد وقع اختيار يوتيوب هذه المرة على برنامج فرنسي  للكاميرا الخفية ولكنه لا يشبه ما تعودنا عرضه على قنواتنا العربية على أنه كاميرا خفية.

فكرة البرنامج هي افتعال  مواقف في أماكن عامة  لظواهر تم رصدها في المجتمع الفرنسي  ومحاولة خلق حوار بين المتواجدين في المكان وتقييم طريقة تعاملهم مع الموقف حيث يضمن ذلك معرفة ما يدور من مفاهيم داخل المجتمع كظاهرة التعصب للفرنسيين من أصل فرنسي وصولًا إلى التفرقة العنصرية على أساس اللون والدين بالإضافة إلى ظواهر أخرى كالتحرش و الانتقاص من قدرات المرأة إذا ما عملت في وظيفة ” تعتبر حكرًا على الرجال غالبًا”، وغيرها من الظواهر التي تم معالجتها عن طريق طرحها بقالب كاميرا خفية هادفة تسعى لخلق حوار داخل المجتمع وتسليط الضوء على ما يدور فيه والسعي لأن يكون الإعلام مرآة  للمجتمع.

حقيقة فكرة البرنامج ذكرتني بالقدرة الهائلة التي يمتلكها  الإعلام للتغيير وقدرته على صناعة فكر المجتمع وذكرتني بحال آلاف القنوات العربية التي هدفها الوحيد هو الربح بغض النظر على ما يتم عرضه من هدم للأخلاق واستخفاف بالعقول، ذكرتني كذلك بتلك المبالغ الطائلة التي تصرف لتصوير برامج للكاميرا الخفية على متن الطائرات والبواخر ليتم تقديم مادة مبتذلة مليئة بالسباب في حين أن برنامج من نفس الصنف وبمدة زمنية ربما قد تكون أقل قادر على أن يغنينا عن عشرات المحاضرات مع الحفاظ على الروح المرحة التي يتمتع بها هذا النوع من البرامج.

وقد  آلمني جدًا  أننا لا زلنا نقدم تلك النسخة التي استوردها لنا الفنان فؤاد المهندس  سنة 1983 مع المخرج إسماعيل يسري على التليفزيون المصري والتي تعود لسنة 1948 وهو أول  ظهور لبرنامج الكاميرا الخفية في الولايات المتحدة الأمريكية على يد المنتج الأمريكي ألان فونت، حيث كانت  فكرة برنامجه الأول من نوعه في تاريخ الشاشة الصغيرة الإيقاع بشخصيات معروفة في مواقف مصطنعة للوقوف على انفعالاتها عند استفزازها، في حين أن فكرة نفس  البرنامج لدى غيرنا تطورت لرصد الظواهر المجتمعية ومحاولة خلق الحوار المجتمعي الذي يغنينا عن العنف الذي نعيش فيه.

ومن  المؤسف أن  تصرف سنويًا عشرات الملايين بدعوى إصلاح التعليم على  شكل مناهج عقيمة لا تغادر كتبها تصب  في عقل الطالب كمفاهيم نظرية  في حين أن برنامج واحد من هذا النوع قد يقدم لنا ما عجزت المؤسسات عنه من  تحويل لهذه المفاهيم إلى أسلوب حياة.

ربما قد أكون مثالية جدًا إذا ما طالبت بوجود برامج كهذه داخل مناهجنا، فبدلًا من أن تقدم درس عن نبذ الطائفية مثلا قدم مادة مرئية يتم التعليق عليها من طرف الطلبة بحيث تجعلهم طرفًا في الظاهرة وجزءً من حلها، ربما قد أكون مبالغة نوعًا ما في هذه الفكرة في وطننا العربي لكنها ممكن  أن تتحقق  إذا التفتنا إلى طريقة صناعة وبلورة  الفكر اليوم.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك