تجربتي مع السكن الجامعي

21 مارس , 2017

بالمقارنة مع العديد من صديقاتي اللواتي لم ينتقلن للدراسة بعيدًا عن حضن العائلة، أجد أن السكن في الحي الجامعي قد منح حياتي الجامعية طعمًا آخر وجعلني أكتسب مزيدًا من الخبرات سواء في الجانب العلمي أو العلاقات الاجتماعية وفن التعامل مع الناس، وساهم في صقل شخصيتي بصفة كبيرة، ومن خلال هذا المقال يسرني أن استعرض لكم خلاصة تجربة السكن في الحي الجامعي لأكثر من 5 سنوات كاملة.

من فتاة مدللة إلى فتاة مكافحة وأكثر نضجًا:

فتاة بالحي الجامعي

فتاة بالحي الجامعي:

كونك آخر العنقود بالبيت يمنحك سلطة من نوع خاص، تخول لك الحصول على ما تريد وتفتح أمامك المجال لمزيد من الدلال، وقرار الدراسة بعيدًا عن منزلك واختيارك للسكن الجامعي، يزيل عنك كل تلك الحصانة التي كنت تمتع بها لتتولى المسؤولية التامة نفسك وأفعالك، وتعلمك التأقلم مع الشخصيات المختلفة التي تشاركك الغرفة التي تسكنها، ومختلف المرافق التي توفرها إقامتك الجامعية.

لا أخفيكم أن سنتي الأولى كانت الأصعب بين تلك السنوات الخمس التي قضيتها داخل الحي الجامعي، فبالإضافة إلى حالة الاكتئاب التي ترافق الأيام الأولى نتيجة لذلك الشعور بالوحدة والكآبة وحتى البكاء للاشتياق للأهل والمنزل، وخصوصًا إذا لم أكن قادرة على قضاء نهاية الأسبوع في البيت، وجود أربع شخصيات مختلفة بخلفيات ثقافية مختلفة تجتمع داخل غرفة واحدة وتحاول العيش معًا، وبحكم التخصص المشترك ومتطلبات هذا التخصص من تركيز ومساحة عمل، وسهولة انتقال الأفكار من مرسم شخص إلى شخص ثاني، لم تكن الغرفة تخلو من الجو المشحون الذي جعل التركيز على الدراسة صعبًا جدًا، دون أن نهمل أن دراستك للهندسة المعمارية لوحدها تشكل ضغط فما بالك بمزيد من الضغوطات من أجل مجموعة أوراقك التي غيرت مكانها، أو لأجل وجبة عشاء لا تريدها أن تحضر داخل الغرفة أنك تعتقد أنها ستسلبك المزيد من الوقت الذي تحتاجه لراحتك قبل العودة للعمل على مشروعك.

وفقدان الخصوصية ليس المشكل الوحيد الذي ستواجهه في سنتك الأولى، فالإزعاج الناتج عن تلك الحفلات التي تقام داخل الغرف المجاورة بعد عودتك من يوم تسليم مشروعك الذي قضيت في إعداده ليالي بيضاء عديدة، يجعلك تشعر أن هناك أشخاص يستمتعون بتعذيبك، دون أن نغفل عن حالة المبنى والتجهيزات القديمة والمتواضعة، والانقطاعات المتكررة للمياه، التي تزداد سوء مع اقتراب الصيف خاصة وأنت تدرك أن هناك أشخاص عدة يشاركونك دورات المياه وربما بعض أغراضك الخاصة كالمناشف أو حتى فرشات أسنانك في فترة غيابك.

وهنا قد تتساءل لماذا اخترت البقاء داخل هذا الوسط رغم كل الصعوبات، ببساطة لأنني لم أرد أن أفوت المميزات الأخرى التي يمنحها لك الحي الجامعي، كفرصة المشاركة في مختلف الأنشطة المقامة داخل الحي الجامعي، رياضية كانت أو ثقافية، فالمنظمات الطلابية غالبًا ما يكون نشاطها داخل الأحياء الجامعية، فكانت لي فرصة للالتحاق بدورات أحكام التلاوة مثلًا والتي أعتبرها أحسن مكسب حققته في حياتي الجامعية، بالإضافة إلى فرصة القيام بالرياضة الصباحية التي جعلتني أتمتع بصحة أفضل وثقة أكبر بالنفس، دون أن نغفل الجانب الاقتصادي كتوفير قيمة المواصلات بسبب قرب السكن من الجامعة، و سهولة الوصول إلى المراجع والكتب من خلال اشتراكك بالمكتبة وخدمات الانترنيت المجانية.

من فتاة تحب العزلة إلى فتاة اجتماعية بامتياز:

انفكاك عقدة العزلة لدي أو نقصانها بشكل ملحوظ تعد نقطة التحول التي صنعتها الإقامة الجامعية، فشخصية الكاتب التي تميل إلى الخلوة بالأفكار، والانعزال بحثًا عن المزيد من التعمق بالذات، جعلتني أواجه الكثير من المتاعب مع من حولي نتيجة عدم قدرتي على التواصل معهم من جهة وعدم قدرتهم على فهم طبيعتي الانعزالية التي يراها الكثيرون تكبرًا أو حالة من ” الكره” لمن حولي، وهو ما أدى إلى قراري بالبحث عن غرفة منعزلة لشخص أو لشخصين فقط، والتي توجت أخيرًا بغرفة منفردة في الطابق السفلي جزء منها تحت الأرض، ومن ثمة إلى غرفة لشخصين، أين تعلمت معنى التأقلم فعلًا مع فتاة بشخصية معاكسة تمامًا لشخصيتي، فتاة تحب الحياة وشغفها صناعة الفرح والعيش فيه، حيوية لدرجة قد تشعر معها بالطاقة تغمرك لديها العديد من العلاقات الجيدة ولذا كثيرًا ما كانت الغرفة مأهولة بالفتيات اللواتي يأتين بحثًا عن بعض الفرح والضحك بعد يوم متعب.

وهكذا استطعت كسر حاجز العزلة لدي وأصبح لدي شغف أكثر بالموسيقى التي تصنعها ” خديجة” داخل كل من تعرفه، وهو ما حرك قلمي بعد حالة من الركود، وجعل جل الشخصيات التي أعرضها من خلال قصصي شخصيات مستمدة من واقع كل فتاة تزور غرفتي وتفتح قلبها لخديجة، فخرجت بمجموعة قصصية كاملة، تحاكي واقع المرأة في مجتمعنا العربي، مجموعة لم أظن يومًا أنني سأستطيع إكمالها لولا تلك التجربة الفريدة التي خضتها داخل الحي الجامعي.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك