تصاعد العنف ضد الأساتذة والطلاب في الجامعة الجزائرية!

17 يونيو , 2017

أساتذة يتعرضون للضرب وطلبة يدخلون في احتجاجات ويهددون بسنة بيضاء من ينقذ الجامعة الجزائرية من العنف؟

بعد أن شكلت فضاء لتخريج النخب، وفتح آفاق ورؤى المستقبل، وتوفير شروط النهوض المعرفي والاقتصادي والتنموي، تعيش الجامعة الجزائرية في الفترة الأخيرة انزلاقًا خطيرًا، بسبب صراعات بين تنظيمات طلابية ومطالب غير مستجابة، حيث انتقلت الجامعة الجزائرية من تخريج النخب في العلم إلى تخريج طلبة وأساتذة يغلِّبون لغة القوة على صراع الأفكار، وعاشت في الفترة الأخيرة حوادث دامية دفعت العديد من الطلبة إلى مقاطعة الدراسة ودعوات لإنقاذ الجامعة من التعفن.

 

مهازل بالجملة تعيشها الجامعات الجزائرية؛ فلا يكاد يمر يوم إلا وتتناقل وسائل إعلام فضائح اعتداء أعوان من الأمن الجامعي على طلبة أو تعرض أستاذ إلى الضرب أو تنظيم حركات احتجاجية من قبل طلاب، وسط تحذيرات من دخول الجامعة الجزائرية إلى نفق مظلم يخرجها من دورها الأكاديمي في حال ما إذا تواصلت سياسة اللامبالاة في حل المشاكل العالقة في الجامعة الجزائرية، التي يعاني منها الطلاب، وأدت إلى تدهور المستوى البيداغوجي والعلمي وبقاء الجامعة الجزائرية في مؤخرة الترتيب على المستوى العالمي.

 

الصراعات النقابية تُدخل الجامعة في متاهات وأساتذة يُضربون أمام الْمَلَإِ

تناقلت منذ فترة شبكات التواصل الاجتماعي شرائط فيديو تصور عملية الاعتداء التي تعرض لها  أساتذة جامعيون في مكان عملهم؛ فكانت الصدمة كبيرة وأصيب الناس بالذهول، وتوقف أعضاء هيئة التدريس عن العمل، لقد اعتبر الجميع أن الكيل قد طفح وأن العنف في الجامعة وصل إلى مرحلة خطرة.

التفاصيل

الاعتداء العنيف الذي تعرض له أساتذة محسوبون على تنظيم نقابي داخل الحرم الجامعي من طرف بعض الغرباء وأعوان الأمن، جاء بعد أن قام أساتذة هذا التنظيم بعقد جمعية عامة انتخابية لانتخاب أعضاء مكتب جامعة الجزائر، وأدى إلى إصابة بعضهم بجروح، تم نقل اثنين منهم للمستشفى لتلقي الإسعافات الأولية، وقرر أساتذة التعليم العالي اللَّذَيْن تعرضوا لاعتداءات عنيفة بكلية العلوم السياسية بالجزائر، رفع دعوى قضائية ضد رئيس جامعة الجزائر بتهمة تحريض الطلبة على الاعتداء على الأساتذة للتستر على قضايا الفساد التي تعرفها جامعة الجزائر، وطالبوا الوزير بمعاقبة المتورطين في ضرب الأساتذة.

نفى رئيس جامعة الجزائر من جهته أن تكون مصالحه قد حرضت الطلبة لضرب الأساتذة المنضوين تحت لواء هذا التنظيم الذين كانوا بصدد تنظيم جمعية عامة انتخابية متهمًا التنظيم بعدم الشرعية والافتراء والكذب وبمحاولة توريط الطلبة والجامعة في صراعاته النقابية.

 

الوزارة تتحرك

وعلى إثر ازدياد حالات العنف في الجامعة الجزائرية، أمرت وزارة التعليم والبحث العلمي الجزائرية بتجميد نشاط هذا التنظيم النقابي بسبب وجود نزاع داخلي في هذا التنظيم النقابي الذي اندلعت فيه حرب ضروس، وصلت إلى حد المناوشات بالأيدي وارتكاب أحداث عنف خطيرة وغير مسبوقة في كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر، ما أحدث ارتباكًا في المنظومة الجامعية، وأبان عن وجود صراعات من شأنها جرُّ الجامعة الجزائرية إلى الشارع.

 

طالب يقتل أمام الحرم الجامعي ومطالب بتوفير الأمن

جريمة أخرى اهتزت لها الجامعة الجزائرية مؤخرًا بعد حادثة مقتل الطالب “جمال سواق” البالغ من العمر 22 سنة، بواسطة سلاح أبيض على يد شاب يكبره ببضع سنوات قرب الإقامة الجامعية بالمدينة، وهي الحادثة التي خلفت استياء وسط الطلبة حيث احتج ما يقارب خمسة آلاف من طلبة، وخرجوا في مسيرة سليمة صامتة بالمدينة لم ترفع فيها شعارات، لأجل المطالبة بتوفير الأمن في المدينة ومحاربة الإجرام.

وحمل المحتجون شعار “أنا جمال” تضامنًا مع جمال سواق، ورفعوا لافتات تنادي بالعدالة له ولأسرته، وكان الطلبة قد احتجوا أكثر من مرة على غياب الأمن، وتفشي حالات الاعتداء عليهم، كما يطالب سكان المدينة عمومًا بزيادة عناصر الأمن بعد تواتر أنباء عن حالات السرقة والاعتداء الجسدي في عدد من الأحياء.

 

أرقام قياسية في الحركات الاحتجاجية..والطالب يقابل بعصي رجال الأمن

لا تكاد الحركات الاحتجاجية تنتهي في أي جامعة بالجزائر، إلا وتظهر احتجاجات أخرى، والمثير للانتباه أن الجامعة الجزائرية حققت هذه السنة الرقم القياسي في عدد الحركات التي قام بها الطلبة، حيث نظم طلبة الجامعة، خلال الأيام الماضية عبر بعض ولايات الوطن يومًا احتجاجيًّا على خلفية مشاكل بيداغوجية وأخرى اجتماعية أصبحوا يواجهونها، مطالبين الجهات المعنية بحلها.

ففي العاصمة الجزائرية نظم طلبة الهندسة المعمارية المضربون منذ بداية شهر يناير وقفة احتجاجية بجوار مقر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية، مطالبين هذه الأخيرة بالتكفل العاجل بـالمطالب المشروعة التي رفعوها إليها لوقف الإضراب والعودة إلى الدراسة، وكانت القطرة التي أفاضت الكأس، ودفعت بالطلبة إلى الدخول في إضراب في 10 معاهد من بين 13 معهدًا على المستوى الوطني، فرض تربص لمدة شهر كامل بعد التخرج 800 دولار؛ ما جعل الطلبة يحتجون، مطالبين بإلغاء “الضريبة”، مشيرين إلى أن المئات من خريجي معاهد الهندسة عاجزون منذ سنوات عن الحصول على الاعتمادات، إلى جانب مطلب رفع درجة المهندسين المعماريين من الرتبة 13 إلى الرتبة 14 في سلم التصنيف، والحق في التسجيل في مسابقات وزارة التربية الجزائرية، وتمكينهم أيضًا من إجراء التربصات في القطاعين العام والخاص.

وفي محافظة البويرة التي تقع على بعد 110كلم عن العاصمة الجزائرية منعت الشرطة الجزائرية، طلبة كلية العلوم والعلوم التطبيقية من تنظيم مسيرة باتجاه مقر الولاية المحافظة احتجاجًا على عدم اعتراف مصالح الوظيفة العمومية بالشهادات التي تمنحها الجامعة للطلاب بعد تخرجهم؛ حيث طوق رجال الأمن مدخل كلية العلوم والعلوم التطبيقية، ولما حاول عشرات الطلبة مغادرة الجامعة وجدوا المكان مطوقًا برجال الأمن الذين منعوهم من الخروج للسير نحو مقر الولاية، ما أثار حفيظة الطلبة.

من جانبهم نقل طلبة المدرسة الوطنية العليا للبيوتكنولوجيا في محافظة قسنطينة شرق الجزائر احتجاجهم إلى الشارع، بعد معاناة طلبتها من مشاكل تجعل مستقبل تكوينهم وتخرجهم مَحَطَّ تساؤل واستفهام؛ ليؤكدوا أنه بعد 3 سنوات من الدراسة وجدوا أن اختصاصهم مجرد وعود غير دقيقة في غياب مصادقة رسمية على اختصاصهم، وهي الوثيقة التي طالبوا باستصدارها تضمن للطلبة الحصول على الشهادة المزدوجة، وهي “مهندس دولة” يضاف إليه ماجستير في التخصص المذكور وفق فروعه السبعة، كما طالبوا بتوقيع عقود شراكة مع المدرسة ومؤسسات صناعية وطنية وعالمية.

هذا واحتجت طالبات الإقامة الجامعية بمحافظة الأغواط شرق، تنديدًا بالمشاكل التي يعانين منها داخل الحرم الجامعي، حيث أغلقن الإقامة وذلك لإيصال مطالبهن إلى السلطات المعنية، سيما ما تعلق بتنصيب مدير للإقامة ومنع الغرباء من الدخول إليها، إلى جانب ضرورة توفير الأمن وتفعيل البطاقة المغناطسية للطالبات في أثناء الدخول، مع احترام القانون الداخلي للإقامة.

طلبة الصيدلة.. مطالب مشروعة وسنة بيضاء في انتظارهم

واقع طلبة الأقسام الأخرى في الجزائر الذين قد احتجوا وخرجوا إلى الشارع قد يختلف مع واقع طلبة الصيدلة الذين لم تطأ أقدامهم الجامعة بعد، وهم مهددون بالدخول في سنة بيضاء بسبب موجة الاحتجاجات التي قاموا بها؛ الأمر الذي ألزم الحكومة باستقبال ممثلين عنهم والنظر في مطالبهم، إلا أن كل الطلبة واصلوا احتجاجاتهم واعتصاماتهم التي وصلت إلى حد الاشتباك مع رجال الأمن، ووقوع جرحى في صفوف الطلبة استدعى فتح تحقيق من طرف الحكومة الجزائرية بسبب إهانة الطلبة.

ويطالب طلبة الصيدلة بتمسك الحكومة الجزائرية بكافة النقاط التي تم الاتفاق عليها مؤكدين استعدادهم لإعلان سنة بيضاء في حال حدوث أي تغيير في لائحة الاتفاق، وتتمثل مطالب الطلبة في ظل النقائص والمشاكل المطروحة على مستوى تخصصاتهم، في توفير مناصب العمل، خاصة أن كثيرًا من الصيدليات باتت تستعين بطلبة درسوا تخصص بيولوجيا، فضلًا عن سلم التنقيط، وكذا إضافة تخصصات جديدة لهم الحق والأولوية فيها، بينما منحت لطلبة آخرين في تخصص آخر.

 

اعتراف بتزايد الظاهرة ومطالب بتطبيق ميثاق أخلاقيات الجامعة

يقول المنسق الوطني لمجلس أساتذة التعليم العالي “عبد الحفيظ ميلاط” في تصريح لشبكة زدني: إن ازدياد حالات العنف في الجامعة الجزائرية بشكل لافت وخَطِرٍ جدًّا في حالات معينة من العنف اللفظي الجسدي إلى النفسي في الحرم الجامعي، مرده إلى ضعف الأمن في بعض المؤسسات الجامعية التي تزيد مساحتها عن مئات الهكتارات وعدد الطلبة عشرات الآلاف في حين لا يتمكن أعوان الأمن من تغطية كامل المساحة، كما تحدث “عبد الحفيظ ميلاط” لفريق زدني عن غياب أو تَغْيِيب للغة الحوار التي ساهم غيابها في بروز حالات عنف متكررة بأشكال متفاوتة الدرجة والخطورة، قائلًا: “عززنا هذا الأسلوب ما سهم في رفع عدد القواعد النضالية للضعف في أقل من شهر ونصف، وقناعتنا بأسلوب الحوار الذي يجب أن يكون سبيل حل أي مشكل نجده المخرج الوحيد والسبيل الأوحد لخروج الجامعة الجزائرية من أزمتها، في إطار تخريج نخب وطلبة يجيدون لغة الحوار وخطاب الأفكار وتعزيز نقاط الاشتراك لا نقاط الخلاف والفرقة، نخبة جامعية لا مكان للغة الصراع والعنف فيه تلك اللغة الدخيلة التي ميزت المجتمع الجزائري خلال سنوات ما بعد العشرية السوداء.”

وفي هذا الصدد طالَبَ محدِّثُنا بتطبيق ميثاق جامعي شامل، يشارك فيه الجميع لقواعد وأخلاقيات جامعة يلتزم بها الجميع بعيدًا عن تصفية الحسابات والتفكير الضيق والقاصر والحسابات الجهوية والسياسية التي يكون إقحامها دومًا في المحيط الجامعي سبب الويلات.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك