جعجعة بلا طحين

30 أكتوبر , 2015

يدور في قاموس السياسيين العديد من المواضيع التي في كلّ مرة يُسلطون الضوء على واحدة منها، في خِضَم معارك سياسيّة بين مختلف الأطراف، ومن بين أكثر المواضيع نجد التعليم، الهوية، الصحة، الأمن، القيم.

تضيق نفوسنا من كيفية تناول الفاعلين السياسيين ببعض بلدان وطننا العربيّ لموضوع التعليم، ففي كلّ مرة نسمع نفس الأسطوانات التي تردد أنّ التعليم في خطر، وأنّ الوضع التعليميّ مزري، وأن النظام التعليميّ لا يخرج الأطر والكفاءات المنشودة، وغيرها من الرنات، لكن في حقيقة الأمر، هل يحظى قطاع التعليم بأولويّة عند مسؤولينا؟ إنْ كان يحظى بأولويّة، فلماذا لا تزال دار لقمان على حالها؟ وإنْ كان العكس، فإلى متى سنبقى نسمع نفس الأسطوانات المشروخة؟

نلاحظ الكثير من الأمور ونلمس أكثر ما يدفعنا إلى طرح هذه الأسئلة، ففي واقعنا المعاش داخل الجامعة، وما عشناه سابقًا في مختلف مراحل دراستنا، نقف على مجموعة من الإجراءات والتدابير والسلوكات ترجح كفة أن لا أولوية لقطاع التعليم عند بعض دولنا العربية، باستثناء أولوية إدراج هذه النقطة في اجتماعات الأحزاب السياسية، وعلى نقط المهرجانات الخطابيّة.

في جامعتي بالمغرب، تنطلق الدراسة عندنا حتى شهر تشرين الأول/أكتوبر، مع العلم أنّ الموعد الرسميّ للبدء هو شهر أيلول/ سبتمبر، ويرجع هذا إلى كون بعض الأستاذة يلتحقون بصفوفهم في التاريخ الأول، معتبرين أنّ العطلة الصيفيّة لم تنتهِ بعد، ما دام راتبهم الشهريّ يصل كاملًا دون نقص، وبالرغم من التحاق بعض الطلبة مبكرًا للدراسة، إلّا أن غياب المُدرّس يخلق مشكلات عديدة، وبالتالي يأتي الطلاب اليوم الأول والثاني والثالث دون جدوى، بعدها يذهبون بلا رجعة حتى وقت متأخر، لعلّ الأستاذ قد بدأ دوامه الجامعيّ. وأمام هذه المشكلة، هل الدولة عاجزة عن متابعة سير بداية الموسم الجامعيّ بشكله الطبيعيّ إذا كان التعليم يُعتبر أولى الأولويات عندها؟

تتحول بعض جامعات المغرب وخصوصًا العريقة منها (فاس، وجدة..) في بعض اللحظات إلى ساحات حرب، وكأنّها مشهد تمثيليّ لفيلم تاريخيّ يحكي عن بطولات الحروب، كان آخرها ما شهده المركب الجامعيّ ظهر المهراز بفاس قبل أسابيع، حيث أقدمت قلة قليلة راديكالية التوجه نحو اليسار، على منع طلبة كلية الآداب والحقوق من اجتياز امتحاناتهم الربيعيّة، مستعملين في ذلك كل أشكال القوة ومختلف أنواع الأسلحة، أمام مرأى ومسمع إدارة الكليتين ورجال الأمن بمختلف تلاوينهم، دون أن تتدخل هذه الأخيرة لحماية أرواح المئات من الطلاب، كانت قاب قوسين أو أدنى أن تزهق بدم بارد. وأمام هذا، هل الدولة عاجزة عن متابعة هؤلاء وتوفير الأمن للطلبة؟ هل هي عاجزة عن اتخاذ إجراءات تجعل مؤسسة من مؤسساتها تسير وفق مجراها الطبيعيّ إذا كانت تضع التعليم على رأس أولوياتها؟

من جهة أخرى، لا يزال موضوع لغة التدريس بالمغرب شائكًا ويسيل في كل مرة الكثير من المداد، ما بين اللغة الفرنسية التي يعلم القاصي والداني درجتها في سلم البحث العلميّ، واللغة الإنجليزيّة التي وصلت إلى ما وصلت إليه في الإصدارات العلميّة والبحث العلميّ، ففي الوقت الذي يُبدي الطلاب نفورهم من اللغة الفرنسيّة وجعل اللغة الأجنبيّة الأولى في هذا المجال هي اللغة الانجليزيّة بدل الأولى، يصر أصحاب القرار على ترك الأمور كما هي، ودون الاكتراث بالمتغيرات المحيطة بهم، والمتمثلة في اكتساح اللغة الإنجليزية للعالم، وتراجع الفرنسيّة إلى أسفل سافلين، وبطبيعة الحال، لا يقف وراء هذا دراسات علميّة رصينة أو غيرة مسبقة عن أبناء البلد، وإنما الحبل المتحكم في هذا لا يمكن فصله عن تاريخنا القريب، والمتمثل في اعتبار فرنسا دولة امبرياليّة استعماريّة، عاثت في بلدنا فسادًا منذ أواخر القرن التاسع عشر، إلى جانب أن خروج القوات العسكريّة الفرنسيّة من البلد فيما سمي “بالاستقلال”، ما كان ليكون إلا بضمان فرنسا مصالحها، ومن ضمنها بقاءها متحكمة في دواليب القرار، وأمام هذا، هل الدولة عاجزة عن جعل اللغة الإنجليزيّة هي اللغة الأجنبيّة الأولى بالمغرب بدل الفرنسيّة، لما حققته هذه الأخيرة من تطور كبير كما ذكرناه، لو كانت فعلًا لها رغبة في جعل قطاع التعليم في أحسن حال؟

هذا إذًا هو غيض من فيض مما يعانيه قطاع التعليم ببلدي، ويشترك معه أكثر من دولة عربيّة، هو قطاع يعدّ أوسع باب من أبواب النهضة، إذا أعطيته أعطاك وزيادة، وإذا أهملته أهملك ولا تنتظر منه شيئًا، هو قطاع أرجعه اليابانيون سببًا في قفزتهم من لا شيء إلى كلّ شيء، حينما أعطوا للمعلم حصانة الدبلوماسيّ وراتب الوزير، تقديرًا للدور الذي يقوم به، لا مثلنا، نتكلم ونتكلم ونتكلم، وفي النهاية جعجعة بلا طحين.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك