خمس سنوات من الوهم… دردشة مهندسين

7 مايو , 2016

خمس سنوات من الوهم …خمس سنوات من تمثيلية… خمس سنوات في كلية هندسة

هكذا افتتح ” عمر أحمدين” ذلك ” البوست الفخيم” الذي  حاز على أكثر من 4447  إعجابًا في أقل من 21 ساعة وقد توالت التعليقات عليه من المهندسين وغير المهندسين الذين وجدوا فيه ما يشبههم.

تستقطبني كثيرا تلك النقاشات الساخنة التي تلقى تفاعلا بين طلاب الهندسة على  صفحات التواصل الاجتماعي، حيث تجمع بين الهزل من جهة وعمق الفكرة المطروحة بأسلوب طلاب الهندسة البعيدين كل البعد عن الحياة الاجتماعية  ليعطوك خلاصة تجارب خمس سنوات كاملة مجموعة في سطور، وفي هذه المرة كان العنوان: خمس سنوات من الوهم، خمس سنوات من تمثيلية… خمس سنوات في كلية هندسة…

 

حيث عرض  ” عمر أحمدين”  فكرة ذلك الإحساس الذي يشعر به كل من قارب على التخرج أو تخرج فعلا و أصبح بنظر المجتمع “باش مهندس”، إحساس أنك قد ضيعت 5 سنوات من الشباب والطاقة “فقط”  في ذهابك إلى كلية الهندسة دون أن تكون لك ” حياة حقيقية”، وشغف حقيقي يصنع تميزك، حيث في كل عام يتخرج من كلية الهندسة “مسوخ” مهندسين، أو بشكل أدق أشباه آلات لا علاقة لهم بالحياة الاجتماعية بعيدين كل البعد عن صناعة الجمال،  فالكثير منهم إن لم نقل كلهم هجروا تنمية ذواتهم، و مواهبهم، وفقدوا شغفهم بأشياء كانت تعني لهم الكثير بمجرد دخولهم لكلية الهندسة نتيجة للضغط الكبير وحالات الاجهاد التي يفرضها عليهم هذا التخصص.

عقدة الأول على الدفعة و تمثيلية طلب العلم…

” خرج من الكلية الأول على دفعته، بس ميعرفش يتعامل مع الناس، معندهوش  موهبة في الحياة، ولا ذكاء اجتماعي، ولا شغف فأي حاجة غير شوية الهري اللي بندرسه”

هكذا عبر ” عمر أحمدين” عن نماذج حقيقية نراها داخل الكليات والمعاهد،و رغم أن الكثير ممن علقوا على هذا المنشور رأوا فيه دعوة للسلبية، وعدم السعي نحو التفوق الدراسي، لكن بالنسبة لي وبمروري للسطور التي عقب بها عليهم، وحديثه عن ترتيب الأوليات وكيف أنه طالب الهندسة يهتم بالتحصيل العلمي وينسى أن ينمي الإنسان الذي بداخله، وهنا لا أجده يقصد المادة العلمية في حد ذاتها بل تلك العقلية التي  تجعل من العلامات المحصلة مقياسا للتحصيل فلا يهم التعليم والعلم من أجل العلامة، لندخل في تمثيلية يمثل فيها الطلبة أنهم يطلبون العلم، ويمثل فيها بعض الدكاترة للأسف أنهم يمنحون علما ” وكله يمثل على بعضه” من أجل علامات ممنوحة تخولك لتصبح الأول على الدفعة.

وهنا اسمحوا لي أن أنقل لكم بعض المشاهد من تجربتي الخاصة، كفتاة حالمة مليئة بالشغف لشيء اسمه ” العمارة“، كفتاة دخلت كلية الهندسة لأنها رأت فيها مرآة لكل حضارة والدليل الوحيد الباقي على مر العصور، وبجانب شغفي هذا كان لي شغف يوازيه قوة للكتابة، والقصص القصيرة بالتحديد،  دخلت كلية الهندسة بعمر 19 سنة وبيدي جائزتي الثالثة في المهرجان الدولي  للأدب والكتاب الشباب وبيدي الأخرى كتابي الذي سرقت الهندسة صفحاته ولا يزال حبيس أدراجي  حتى اليوم، فبمجرد مرور الشهور الأولى لدراستي للهندسة بدأت أهجر الكتابة لانشغالي بالتحصيل العلمي لأجد نفسي في دوامة لم أفق منها إلا على أعتاب سنتي الثالثة داخل معهد العمارة والعمران، أين بدأت أحس بتحولي لفتاة أقل من العادي تركض وراء محاضرات أدركت بعد بداية مزاولة عملي كمهندسة معمارية أن كثير منها لا أجد إسقاطا له على أرض الواقع.

ورغم أن استفاقتي تلك التي جعلتني أعود للكتابة، ولأمسيات الشعر التي هجرتها، وجو النشاطات والتظاهرات الشبابية، إلا أني أجدها قد جاءت متأخرة  بضياع ثلاث سنوات بدون إنتاج أدبي، وربما لم تكن صدفة أن عودتي لجو الكتابة  جعل قدرتي على التحصيل تعود من جديد لأتخرج بتقدير جيد جدا على أبواب الرابع والعشرين من عمري ، ولكن بكثير من الندم.

وأحب أن أعود بكم قليلا للوراء لتلك الأمثلة في تاريخنا الإسلامي لذلك المهندس الموسوعي الذي تجده مهندسا وعالما، فارسا وفقيها ،أديبا ويجيد الرياضيات والحساب والطب، يجيد اللغة وبلاغتها وجل دروب  الأدب  كما يجيد الموسيقى وغيرها من الفنون، ليس لأنهم أناس غير عاديون أو لهم قدرات خارقة ليصبحوا بحورا من علم، بل لأنهم في نظري أناس سكنهم شغف العلم حقا ولم يكن لديهم ذلك الهوس بأن يقال عنهم ” الأول على الدفعة“.

وخلاصة ما أود قوله، كنصيحة من معمارية وأديبة عرفت أن قيمة العلم ليست في العلامات:

ليست علاماتك من تصنع تميزك بعد تخرجك بل … شغفك، فوازن بين هذا الشغف وسعيك للنجاح العلمي والحصول على شهادة، ولا تنسى وسط كل هذا تلك الروح التي تسكنك، رجاءا لا تجعل من نفسك مسخ إنسان أو مجرد آلة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

Avatar
bensalem ouahiba منذ 4 سنوات

كل ما ذكر في المقالة هو وصف حال دقيق و واقعي لحال الجامعة الجزائرية – حسب تجربتي- وللاسف ما زال الشباب يدخلون في نفس الدوامة او اسوأ اذا احتسبنا التعديلات والتبديلات في الانظمة الجامعية، ومنهم من لا يخرج من هذه الدوامة الا ليدخل متاهة الشغل والتشغيل. الله يستر.

أضف تعليقك