دراسة اللغة من خلال الأدب، إلى أي مدى هي مثمرة؟!

4 مايو , 2018

كانت المنظومة الدراسية المتبعة في كلية اللغات التي تخرجتُ منها هي تدريس اللغات الأجنبية من خلال الأعمال الأدبية القديمة “الكلاسيكيات”. وهنا طرح لمدى نفع هذه الفكرة وثمرتها على الطلبة من الناحية اللغوية، والفكرية، والاجتماعية، والأخلاقية، وباستخدام اللغة الإنجليزية مثلًا، والأدب الإنجليزي نموذجًا:

 

أولًا: الجانب اللغوي:

من الناحية اللغوية لا أبالغ إذا قلت إن الأمر كان خاليًا من أي نفع إلا ما ندر. فقد كان الغالبية العظمى من الأعمال الأدبية ـــ إن لم تكن كلها ـــ تتمحور حول نتاج القرن السادس عشر إلى التاسع عشر. وبهذا فهي تعرض لمستوى من اللغة عَفا عليه الزمن وما عاد أحد يتحدثه، اللهم إلا في أعمال أدبية أخرى حديثة، أي في الوسط الأكاديمي بالدرجة الأولى.

 

فالكثير من أعمال الشعراء والأدباء، “شكسبير” على سبيل المثال، كانت مكتوبة بلغة تصعب على أهل اللغة أنفسهم في عصرنا الحالي. حتى أنهم في الغرب حاليًا يُزَوِّدون طَلَبتهم بما يُسمى بـالنسخ المكتوبة بلغة العصر “modernized adaptation” حتى يتمكنوا من فهم هذه الأعمال!

أما في كليتنا، فأذكر أننا كنا نُجبَر على إحضار النسخة الاأصلية القديمة، وكنا نعاني الأمرين في فهم الكلام. حتى أننا لجأنا في النهاية للمواقع الإلكترونية الأدبية التي تقدم ملخصات وتحليلات أدبية للرواية أو القصة أو الشعر بإنجليزية حديثة مفهومة!

 

ثانيًا: الجانب الفكري والاجتماعي:

تلك القصص والروايات التي درسناها كانت تناقش في معظمها قضايا مجتمعية تخص الغرب بصفة عامة، والمجتمعات التي عاشت في تلك الحقبة بصفة خاصة. فكانت تتناول انعدام حقوق المرأة في الميراث، وأن حياتها تعتبر منتهية دون ميراث مرتفع أو زواج ناجح.

فالاعتراف بذكاء المرأة ونباهتها لم يكن أمرًا واردًا في ذلك الوقت. فكانت أقصى أماني أي فتاة متعلمة ومثقفة هو أن تعمل كمربية للأطفال! على رأس هذه الروايات ومن أشهرها على الإطلاق كانت روايات الكاتبة الإنجليزية “جين أوستن” المشهورة برواية “الكبرياء والتحامل” Pride & Prejudice. فكانت معظم روايتها تناقش قضايا المرأة في القرنين الثامن والتاسع عشر. من القضايا الأخرى وقتها، كان هروب المرأة مع حبيبها، وإجبار المرأة على الزواج للهروب من الفقر!

 

وبعيدًا عن المرأة، فبعض القضايا الاجتماعية كان الفقر الشديد الذي ساد تلك الفترة، والظلم الذي كان يتعرض له الفقراء واليتامى من الأطفال، ومن أشهر الكتاب في هذا المجال كان “تشارلز ديكينز” وهو كاتب إنجليزي من كتاب القرن التاسع عشر. ومن أكثر أعماله التي حازت شهرة لتصويرها لحالة إنجلترا في ذلك الوقت كانت “ديفيد كوبر فيلد” David Copperfield، وأوقات عصيبة Hard Times.

 

وبالتالي، لم تكن تفيدنا تلك الروايات سواء من الناحية الفكرية، أو فيما يتعلق بالقضايا الاجتماعية، لأنها ببساطة كانت في وادٍ وحياتنا في وادٍ آخر. من جهة أخرى، كانت حياة هؤلاء الكتاب بائسة، وفي معظم الأحيان كان الأستاذة يغفلون التحدث عن الجانب المظلم من حيواتهم، والاكتفاء بالإشارة إليهم على كونهم عظماء بإطلاق! فـ”فيرجينيا وولف” مثلًا، وهي كاتبة إنجليزية ظهرت في القرنين التاسع عشر والعشرين، ماتت منتحرة، وقد كانت مريضة بالهوس والاكتئاب. و”تشارلز ديكينز” عُرف بعلاقاته غير الشرعية، وانفصاله عن زوجته بعد إنجابها لعشرة أطفال!

 

ثالثًا: الجانب الأخلاقي:

أما فيما يتعلق بالجانب الأخلاقي فحدث ولا حرج، فروايات تلك الحقبة كانت غارقة في المشاكل الاجتماعية التي تتمحور معظمها حول قضايا النساء من العلاقات غير الشرعية، وإيذاء الأطفال والنساء بالضرب أو التعذيب، وقطعًا الانتحار كان إحدى “العادات السائدة” إن صح التعبير، فمن ضاقت به الدنيا، لجأ للانتحار!

وإن كانت “جين أوستن” تعتبر من الكاتبات المُصلحات في المجتمع، حيث حاولت عرض القضايا المجتمعية في إطار قصصي اجتماعي راقٍ، لنقد المساوئ من ناحية، ومحاولة الإصلاح من ناحية أخرى.

أما كاتبة كـ”فيرجينيا وولف” كانت تعرض في قصصها لقضايا الزنا والانتحار، في محاولة لتبريرها وتبرئة الجاني إلى حد بعيد. ولذلك عُرفت أعمالها بجرأتها وخروجها عن المألوف، وفي رأيي، أنها كانت خارجة عن المنطق والخُلُق الإنساني السوي!

 

تلك إذن كانت نوعية الأعمال التي تُدرَّس لنا على مدى أربع سنوات، والتي من المفترض أن نتعلم منها مهارات تعلم اللغة، من القراءة والكتابة والمحادثة.

وأنا آسفة أن أقول إننا لم نخرج بأي فائدة تُذكر من دراسة الأدب الإنجليزي. فلا اللغة كانت قريبة من إطار المحادثة اليومية، ولا القضايا التي كانت تناقشها تلك الأعمال عكست واقعنا بشكل يفيدنا، سواء في الماضي أو الحاضر. أما من تفوق منا لاحقًا سواء في أي مهارة من مهارات اللغة وفي أي مجال من مجالات العمل، فقد كان بتوفيق الله أولًا ثم بمجهوده الشخصي. أما منظومة الكلية فعليها وعلى أهلها ومناهجها ألف سلام!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك