سؤال النجاح

4 مارس , 2015

إن كل المفاهيم التي تتبنّاها عقوُلنا أصبحت عقيمة ما دُمنا نستمّر في إلباسها ثوب الواقع المادي بِـدعوى مسايرة العصر، ونحنُ في الأصْلِ نُفرغها من مُحتواها، الجوهر الأساس التي تنبني عليه كلّ فِكرة، فَـمن جهة، أفكارنا كلّها هي في الأصل نتاج وعي بِـالطبيعة امّا على المستوى المادي والملموس أو المعنوي. هذا الوعي الذي ينطلق من نقطة صغيرة هي الشك بِـاعتباره عمّلية إدراك، لِـيبدأ في تحليل جلّ المُعطيات المتعلقة بِـفكرة ما ثمّ ينتهي أخيرًا بـ صياغة هذه الأخيرة وفقًا لِـتينك المعطيات. ومن جهة أخرى، لَا يمُكننا بِـأيّ شكلٍ منَ الأشكال أن نتبنّى فكرة مُعيّنة دون الأخذ بِـ عين الاعتبار الجانب التحليلي العميق مِنها، ذلكَ أنّ التفكير في مآهيته مآ هوَ الاّ رؤية أكثرَ عُمقًا ودّقة للحياة المادية.

فَـمظاهرُ النجاح التي نلْحظها في مُجتمعاتنا اليوم وما يليها منْ إنغِماس في واقع عديم قدْ يَصِل فيه الإنسان إلى حالةٍ منَ الاستعباد من طرفِ “المادّة”، وَما نعيشُه أيضا مِنْ حالة القلق ازاء امتِلاكِ حصّتنا مِن “النجاح” من أجل الوصول إلى بّر “الأمان” لَـا يُعَدّ الاّ “مسخاً” لِـفكرة بعيدة كلّ البُعد عنْ مُجرد الحصوُل علىَ شهادة عُليا أو الحُصول على وظيفة أو ما شابه. النجاحُ فِكرة مُرتبِطة أساساً بِـدرجة الوَعي بِها لَدى الانسان، ودرَجة الوعي هذه هي التّي تَرسمُ لنا الطريق نحْوَ النجاح الحقيقي دُون السُقوط في وَحلِ مطامعنا الصغيرة. وهي نَفسُها التيّ تمْنَحنا القُدرة علىَ رؤيا تجليّاتها في الحياة الواقعية وأبعادها في النفس البشريّة.

وَلعلّنا نتسائل: ما هوَ النجاح؟ وعلىَ أيّ أساس يتم تصنيفه؟ ثمّ ما هيَ الهُوة الفاصلة بين النجاحِ والفَشل وَكيفَ يُمكنُ تحديدها؟

إذا ما تخلصنا منْ نزعة النفسِ الماديّة وحاولنا التأمل في هذه التساؤلات دون الحاجة إلى إطار زمكاني يُقيّد تفكيرنا، سَـنجِد أنّ الجواب سهلٌ جدّا، يحتاج فقط أنْ نبحثَ عنه في خبايا ذواتنا، وَعمليّة البحث هذه لا تأتي إلاّ بِـالتفكير العميق وسَبر أغوار العقل البشري. فَـ لوْ سألنا أنْفُسنا: ما هوَ النجاح؟ يأتي الجواب واضحًا أنّه تحقيقٌ لِـرغبة شخصيّة منْ أجلِ الاكتمال و إبراز الذات، وَ معلومٌ أنّ هذا الأخير لَا يحتاج فقط الشق المادي كيْ ننجَح فيه، فَـقدْ تتفوّق في دراستك و تَحصل على وَظيفة شاغرة و مَرْكزٍ مرموق في المُجتمع و لكنّك تظلُّ تَشعرُ أنكّ أنتَ أنت، لمْ تُحققّ شيئًا ما دُمتَ تقف مَكفوُف الأيدي أمام أيّما مُشكلة تواجهُك، و ما دُمت عاجزًا حتىّ عنْ تَفعيلِ فِكرة ما علىَ أرضِ الواقع أو الالتزام بِـمبدأ ما. وعلىَ هذا الأساس يتم تصنيف النجاح، أيْ على قَدر قُوّتك الداخلية في تحرير إنْسانيتكَ منْ عُبودية النفس وَ مُيولاتها، علىَ قَدر استِمراركَ في إبراز هذه القوة منْ خِلال أفكارك، في الطريقة التي ترَى بِها الحَياة منْ حَوْلك، في الابتسامة التي تَبتسمها كلّ صباح وأنتَ تستَقبِلُ تَحدّيًا جَديدًا بِـنَفَس أقوىَ، بإرادة التَغيير التي تُغذيها بالإيمان، إيمانُكَ بِـالله أوّل ثُم بِـ قُدراتك، بِـبَذرة الحُب التي في قلْبك وَحرصكَ علىَ ابقائها يانعة مُزهرة أمام كلّ الأشواك التي تُحيط بك.

النَجاحُ ابتسامه، قُبلةُ علىَ جَبين الروح، أمَل في التَغيير تليه ارادة وعزيمة، غَرسُ فكرة و قَطف أخرى.. حُبّ كَبير وايمان قَبْل كلّ شيء.

.. أمّا الفَشل فَ هُو بِـكلّ بَساطة سُقوطكَ أمام نفسك.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك