سياسة التوظيف بالجامعات المغربية.. التقشف غير المعلن والتبعات السلبية

14 مارس , 2016

لم يكن متوقعًا وعلى غير العادة في الإعلان عن مباريات التوظيف بسلك التعليم العالي بالمغرب، والذي خصص له قانون المالية للسنة الحالية 1000 منصب، أن يكون أكثر من النصف منها موجهًا للدكاترة الموظفين، أي 530 منصبًا مقابل الدكاترة الأحرار اللذين تفرغوا لإتمام أطروحاتهم والاستمرار في البحث العلمي على حساب العمل أو الانخراط المبكر في سلك الوظيفة العمومية، وليس مثار لحديث هنا عن التنازع بين الفئتين، وإنما على سياسة التوظيف والخفي من قرار وزارة التعليم العالي بالمغرب، والذي يناقض المعلن أو المصرح به.
ما هي خلفيات قرار وزارة التعليم العالي المغربية؟ وما تبعاته السلبية على أداء الجامعات والبحث العلمي بالمغرب؟

إن نهج وزارة التعليم العالي بالمغرب في سياسة التوظيف، والتي لقيت استنكارًا من الحاصلين على الدكتوراه غير الملتحقين بأسلاك الوظيفة العمومية، أو ممن يتابعون دراستهم بسلك الدكتوراه، هو نهج يتسق مع السياسة التقشفية للحكومة المغربية، وإن كان بطريقة غير مباشرة، إلى جانب كونه ريعًا صريحًا تم منحه للموظفين الدكاترة على حساب غيرهم في شكل كوتا، إلى جانب أحقية الموظفين الدكاترة وضع ملفاتهم اختيارًا مع المناصب المفتوحة للجميع، و الخاصة بالموظفين، وهو ما حرم منه الدكاترة الأحرار و الباحثين المتفرغين للبحث العلمي، حيث لهم حق التقدم لما هو مخصص لهم، وفي الرقم المعلن نجد كرمًا مع الموظفين مقابل الشح في حق الباحثين المتفرغين.
إن اعتبار خطوة وزارة التعليم العالي في التوظيف تقشفية وجزءًا من الريع المعشش في الجامعات والإدارات سينعكس سلبًا على أدائها ووظيفتها، ليس من قبيل الكلام الجزاف الانفعالي، وإنما يكفي أن نعلم أن عدد المناصب المعلنة للموظفين من أجل الالتحاق بالجامعة للتدريس، سيتم إغلاقها ولن يفتتح التباري للمناصب الشاغرة في الإدارات التي سيلتحق منها أصحابها للجامعة، وهذا تقشف غير معلن إلى جانب غياب معيار المساواة الذي يجب أن يضمن التباري للجميع، وهو ريع لهذا الاعتبار إلى جانب سنة دارجة في الجامعات المغربية يزكيها القانون الذي يمنح سلطة لرؤساء الجامعات في التدبير المالي واستحداث المناصب، فيكون ذلك على مقاس الموظفين المشتغلين بالجامعات ومن لهم صلات وولاءات لا زال عقل أطر الجامعة المغربية يشتغل على منوالها.

فالسلطة شبه المطلقة المتاحة لرؤساء الجامعات في مقابل غياب أو ندرة آليات الرقابة، تجعل من المناصب المعلنة أشبه بهبات أو منحة من وزارة التعليم العالي للجامعات، فالثغرات الكامنة في القانون المنظم لتدبير الجامعات تجعل من الولاءات تشتغل في غالب الأحيان عوض معايير الكفاءة والمساواة، ولذلك لما كانت كل السلطة في تدبير الموارد البشرية والمالية في يد روؤساء الجامعات وعمادات الكليات، كان الرقم المعلن للموظفين أكبر من الحصة الخاصة بالدكاترة والباحثين المتفرغين، وهذه إحدى الاختلالات البينة في الجامعة المغربية التي ينبغي تداركها، والتي برزت على أنقاض السياسة التقشفية لوزارة التعليم وخلفها الحكومة المغربية.
وفي سياق ما هو معلن من طرف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المغربية بحرمان الدكاترة الأحرار من حقهم في التباري على قدم المساواة في العديد من المناصب، تقدم هؤلاء بمراسلة إلى رئيس الحكومة المغربية، وصفوا القرار بالوضع غير السليم، حيث “يضرب عرض الحائط مبادئ تكافؤ الفرص والمساواة والاستحقاق باعتبارها مبادئ دستورية سامية،تسمو على أي نص قانوني أدنى،لا يجوز مخالفتها التزامًا بمبدأ تراتبية القوانين المنصوص عليه في الفصل 6 من الدستور، ولا يمكن اعتباره -الوضع غير السليم- منسجمًا مع دولة القانون والمؤسسات. فقد نص الفصل 31 من الدستور على ما يلي:

“تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة من الحق في ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق…”

داعين إياه إلى ” ضرورة التراجع عن هذا القرار في الشق المتعلق بالفئة المعنية باجتياز المباراة (الدكاترة الموظفين)، وفتح المباراة في وجه كل الحاصلين على الدكتوراه في التخصصات المطلوبة” وكذلك وضع ضمانات قانونية وتقنية وبيداغوجية تضمن نزاهة المباريات وشفافيتها، أدناها الالتزام بالإعلان العمومي على نتائج الانتقاء الأولي، وكذا نتائج الناجحين في المباراة”، إلى جانب “إحداث مركز وطني يتألف من أساتذة وممثلين عن الوزارة، يسهر على تنظيم مباراة وطنية في كل تخصص على حدة، وجعل أمر التعيين خاضعًا لرغبة الناجحين وفقا لقواعد الاستحقاق”، وذلك لتلافي الثغرات الموجودة في سياسة التوظيف بالجامعات والتي تبقي العشوائية والولاءات التي تغيب معهما المساواة في ولوج الوظيفة العمومية، والكفاءة القائمة على التنافسية معيارًا في الانتقاء.
إن مراجعة القرار والمذكرة أمر لازم لتجاوز النتائج الكارثية التي يمكن أن تلحق بالجامعات وأدائها في المستقبل، فمعلوم أن فتح الباب على مصراعيه وبشروط تفضيلية أمام الموظفين للالتحاق بالجامعة سيفتح الباب لالتحق أفواج بالتدريس والعمل العلمي قضوا عمرًا طويلاً في الإدارة بعيدًا عن الاهتمام بالبحث العلمي، كما أنه سيحرم الجامعة من تشبيب أطرها التربوية والاستفادة من الطاقات الواعدة التي ستحرم بمقتضى مذكرة تغيب فيها شروط التنافسية الحرة والخلاقة وتجعل من الكفاءة معيارًا وحيدًا في التباري.

وهنا يمكن أن نقيس الفرق في العطاء بين من سيلتحق بالجامعة وهو لم يشب عن الطوق بعد وينتظر من الجامعة أن تفتح فضاءاتها أمامه للتطوير والصقل والإضافة، ومن سيفتح له المنصب الجامعي وهو قضى ردحًا من الزمان في أروقة الإدارة، فيكون الالتحاق بالتدريس بعد أن أتعبته الإدارة منفذًا للخلاص عوض أن تكون قبلة للعطاء، إلا فيما ندر ممن يشتغلون أساسًا بالأسلاك التربوية ولهم إضافات، وهنا يكون فتح التباري أمام الجميع ضرورة لتكون الكفاءة سببًا في الالتحاق بالجامعة، مع تقييد ذلك بقوانين تخضع سياسة التوظيف للوزارة المسؤولة سياسيًا أمام الرأي العام.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك