عندما تكون المدرسة في زمن الحرب..

14 أغسطس , 2015

لا يعرف حجم مآسي الحروب ومخلفاتها المفجعة بحق الإنسان والعمران، إلا من عاش أجواء الحرب وفقد ذويه وأقاربه أو أصدقائه ورفاقه الذين تقاسم معهم لحظات الطفولة المنسابة والمفعمة بالحيوية والتي لم تتطلع بعد إلى إدراك معنى الحرب، فكيف به يفهم حديث الساسة والقوى الإقليمية والدولية المتصارعة وما تبثه القنوات الإعلامية ويسوق له أمراء الحرب وصناع الفجيعة، لا يفهم الطفل ما يجري حوله، وإذا رأى ركاماً من المباني المتساقطة وأحس بهول الحدث من القنابل المتساقطة التي لا تشبه ما يراه على شاشة الألعاب، فإنه يغرق في بكائه ويرتمي في حضن من هو قريب منه يبحث عن دفئ الحنان والعطف المفتقد في الوسط الذي يعيش فيه.

وإذا لم يجد أمه وكان الوحيد المستيقظ من تحت ركام خلفه قصف طائرات نظام غاشم قرر أن يقتل شعبه بالبراميل ليبقى في السلطة التي ورثها عن أبيه، أو بفعل القصف المدفعي والصاروخي لعدو محتل وكيان استيطاني بحق شعب أعزل وأرض مباركة، حينما لا يجد الوليد اليافع أمه أو الفتاة التي تنفض عن شعرها غبار بقايا القصف وهي تنظر في أطرافها إن فقدت بعضاً من جسمها، لا يكون من رد على حجم الدمار المادي والنفسي الذي تقترفه اليد الباطشة بحق الإنسانية البريئة سوى البكاء واعتصار الألم، ولسان حالها وحال كل من وهب الحياة وسرق القدر منه كل عشيرته أو أقاربه “ما لنا غيرك يا الله”.

من يتابع ما ينقله الإعلام من أرض سوريا والعراق وفلسطين وغيرها من الدول العربية الساعية شعوبها في المطالبة بالحرية والكرامة أو متنفس للحياة كما هو حال غزة المحاصرة، وعلى رغم صورة الإعلام المجتزئة للواقع ومعايشة بعض منه لا كله بجميع مآسيه، فإنه سيبقى حائراً مكروباً أمام الحرق الجماعي الذي يتعرض له عزل، وسيزداد الألم لما ترى تلك الطفولة المفعمة بالحياة تفقد بهجتها ووجهتها، فعوض أن يحمل الطفل محفظته وترتب الأم حاجياته وتشده من يديه لتأخذه للمدرسة، سيجد نفسه محاط بألم الوحدة والعزلة، فهو بدون أم والكثير فقد والديه، والمدرسة لم تعد كذلك، حتى الرسومات والألعاب أصبحت نسياً منسيا وأحرقت ببارود البراميل المتفجرة، فلا حق للطفل الآن في اللعب وإنما سيواجه قدره الجديد في بيئة انعدم بها الأوكسجين وعوضت برائحة البارود والموت المنتشر.

وسيكون الطفل والأطفال، وربما مئات الآلاف والملايين سيكونون على موعد جديد من حياة عنوانها الآلام، لا مدرسة فيها ولا حق في الحياة الحرة، حسب الأزمات التي تعيشها كل دولة والحروب المشتعلة فيها بفعل الاحتلال كما هو شأن الشعب الفلسطيني الذي ظل يقاوم آلة تتلذذ بالقتل الجماعي، ولا تكتفي بإبادة البشر وإنما تتوجه لتزوير الذاكرة وتغيير المعالم الحضارية للقدس وفلسطين حتى يتساوق مع الرؤية الصهيونية، وكان المنفذ التعليمي مدخلاً لذلك في الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1948 وسنة 1967، وما لم تغيره المناهج والمعطيات المغلوطة مما حافظ على نفس المقاومة بالعلم والسلاح يتم تدميره ومحاولة اجتثاثه بالقوة في حروب هي عبارة عن إبادات جماعية متلاحقة، لم تسلم منها مدرسة أو جامع وجامعة بمختلف صنوف السلاح، بهدف تدمير كل ما يمكن أن يرمز إلى العلم باعتباره المدخل الأول للحرية والاستقلال، يليه البعد الديمغرافي الفلسطيني المتزايد في مقابل انحسار في الجانب الصهيوني، ولذلك يكون غالبية الشهداء الفلسطينيين في كل الحروب على فلسطين وغزة خصوصاً من الأطفال، لأنهم يشكلون تهديداً وجودياً للاحتلال الغاصب.

إن غزة فلسطين نموذج لحياة تجترح من الآلم والمآسي بروح وثابة متقدة تخطو نحو الحرية بكل صبر، تسقط المدرسة هنا.. فيسقط الشهداء من الأطفال، ولا تمر أيام قلائل حتى يطل علينا الأطفال فوق الركام لينصبوا الخيام ويعلنون موعداً جديداً لإتمام الدراسة في استماتة وصمود نادر، فشعب فلسطين وغزة علم أن معركة الوجود أولاً والانتصار على العدو ثانياً تكون بالعلم، فالعلم هو الحياة التي يريد العدو سلبها لكل الفلسطينين بمختلف السبل منذ عقود، ولذلك نلحظ أن غزة المحاصرة والمدمرة تسجل نسب مهمة في الاختراع وتطور في النظام التعليمي وغياب الهدر المدرسي الذي تعاني منه دول كثيرة تنعدم فيها معاناة شبيهة بما يتعرض له الشعب الفلسطيني.
وعن الاحتلال المدمر للمدرسة والمحارب للعلم يمكن أن نرصد في الوطن العربي حالة العراق مع الغزو الأمريكي، فكان تدمير كل البنية التحتية واغتيال العلماء والفتك بشعب بأكمله، مما أدى إلى استشهاد وتشرد الملايين في حرب مفتوحة على العراق في بعده العلمي، ليزرع بدلاً منه كل بذور النزاع والاقتتال الطائفي، وانصراف الكثير من شباب المدارس والجامعات إلى حمل السلاح، وبذلك سجل العراق أعلى نسب في مستوى الشباب الذي لم يلتحق بفصول الدراسة، كما عرفت المدرسة نوعاً من العزوف بعد أن كانت قبلة لمختلف العراقيين.

وما شهدته فلسطين والعراق ومجموعة من الدول الأخرى الإسلامية التي تعرضت لحروب خارجية وعانت من الاحتلال الأمريكي والغربي، عانت منه مجتمعات وشعوب عربية من نظم استبدادية تشكل وجه العملة الآخر للاستعمار الخارجي، وغير بعيد عنا حالة الشعب السوري، وما يطاله قتل جماعي ببراميل البارود والجماعات الطائفية، فنتج عن الثورة التي أصبحت حرباً مفتوحة من أجل نيل الحرية في مقابل نظام يفتك بالإنسان والعمران لتدوم سلطته واستعباده لشعب بأكمله، فأصبحت هاته الحرب السبب في هجران أكثر من ثلاث ملايين طفل سوري للمدرسة، بينما أصبحت المدارس ركام والتحق غالبية الشباب السوري بين حامل للسلاح أو لاجئ في مخيمات دول الجوار.

إن تلكم النماذج الثلاث عن المدرسة في زمن الحرب، تجعلنا نقترب أكثر من حالة هدر الحياة والكرامة الإنسانية، ومحاربة العلم والتعليم من طرف الاستعمار والاحتلال كما هو حال العراق وفلسطين، أو محاربته من طرف الاستبداد أو الاستعمار الداخلي كما هو حال سوريا، حيث يحرق نظام مستبد الشجر والحجر والبشر من أجل استمراريته، وما الحرب من الطرفين معاً على التعليم إلا لاعتبار العلم هو المدخل الاولي للتحرر من الاستعمار أو الاستبداد، فلا تحرر للأوطان ما لم يتحرر الإنسان، وحرية الإنسان رهينة بملكة المعرفة والمسألة التعليمية، أي إعادة الاعتبار للمدرسة، ولذلك نفرح للشعب الفلسطيني لما يصدر لنا صورة تعلقه بالعلم ولو في تحت قنابل الفوسفور، ونأسف لحال الكثير من الدول العربية لأن نظامها التعليمي مكبل بقيود التخلف والاستبداد.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك