فاقدو البصر والتعليم الجامعي، غُبنٌ واضح!  

28 يناير , 2018

عندما كنت أدرس في كلية اللغات في قسم اللغة الإنجليزية، كان في القسم عدد لا بأس به من المكفوفين، ومع ذلك فالتقصير تجاه توصيل المعلومة لهم من جهة، ومساعدتهم على التعلم والبحث من جهة أخرى غدا معدومًا إلى حد بعيد!

 

كليات غير مجهزة للأصحاء، فما بالك بذوي الاحتياجات الخاصة؟!

كان الأساتذة في الكلية يتحدثون بمعدل الكلام العادي، وكنا نحن المبصرين بالكاد نتمكن من كتابة الملاحظات هنا وهناك. أما بالنسبة لغير المبصرين فقد كان الأمر يشكل تحديًّا كبيرًا، حيث أنهم يستخدمون طريقة برايل في الكتابة. وكان من الواضح ـــ حسب ملاحظتي على الأقل ـــ أن الأمر يتطلب وقتًا أطول وجهدًا أكبر. ولا أنسى حجم الضيق والسأم الذي لم يتورع كثير من الأستاذة عن إظهاره ـــ علامة الملل من كثرة الإعادة والتكرار ـــ وإن لم يعبروا عنه بالكلام، لكن ملامح وجوههم وتأففهم كانت كافية!

 

ماذا عن الكتب ومواد الدراسة؟!

من جهة أخرى فإن الكتب مجهزة فحسب للمبصرين، وبالتالي يعاني المكفوفون من محنة تحويل الكتب إلى لغة برايل. وقد فوجئتُ أن الجهة المعنية بهذا العمل في الكلية يقوم عليها متطوع ضرير! أي أنه لا توجد أي جهة رسمية تولي اهتمامًا لشريحة مهمة وحيوية من الطلبة. كما فوجئت أثناء زيارتي لهذا المكتب المخصص لهم، أن معظم أجهزة الكمبيوتر المصممة خصيصًا للمكفوفين لهم، معطلة. والذي يشتغل منها، لم يكن يعمل بصورة جيدة تُعين المستخدِم.

 

التنقل في الكلية، معاناة من نوع آخر:

بعيدًا عن عدم تخصيص قاعات مجهزةٍ لهم، أو كتب دراسية مخصصة، فحتى التنقل في الكلية قد أرهقهم من أمرهم عسرًا. وقد تجدهم كثيرًا وقد وقفوا على جانب إحدى القاعات منتظرين “الفرج” أو أحد المبصرين ليأخذ بأيديهم. وإذا ما قرر أحدهم خوض المغامرة والمشي وحده، فلا مفر من التخبط هنا أو الوقوع هناك!

 

حق التعليم أم حق الاندماج؟!

قد يقول البعض أن الغرض من وجود المكفوفين مع المبصرين، هو دمج ذوي الاحتياجات الخاصة مع أفراد المجتمع من الأصحاء. ولكن النقطة التي نود توضيحها هنا أن هناك فرق جلي بين دمج “فريق من الناس” في المجتمع، وبين غبنهم حقهم!  إن الجامعة كمؤسسة تعليمية يقع عليها عبء تعليم الأفراد الذين يفدون إليها، وقامت هي بقبولهم سواء كانوا مبصرين أو مكفوفين أو غير ذلك.

 

وللأسف فحتى المدارس لم تتفادى هذا الخطأ. حيث تضم بعض المدارس ذوي الاحتياجات الخاصة من المعاقين ذهنيًا مع الأصحاء. وغني عن الذكر ما لهذا الأمر من مساوئ على الجانبين، خاصة أن الفصول في تلك المدارس تضم مدرِّسات لذوي الاحتياجات الخاصة. وهكذا قد تجد مدرسة نفسها مع مدرستين أخريين أو ثلاثة في نفس الفصل مع أطفال  معاقين ذهنيًّا وأصحاء، ودورها هو التأقلم مع الوضع، وتوصيل المعلومة بأفضل وسيلة ممكنة، والتحكم في الفصل!

 

أما بالنسبة لمعلمات ذوي الاحتياجات الخاصة فالمفترض أن تعتبرهم أداة عون لها، ولكن الحقيقة أنهن يُعتبرن بطلبتهم فصلًا داخل الفصل! فبين صراخ تلك وعصبية وانفعال الأخرى، تضيع المعلمة بين صراخ المدرسات، وبكاء الأطفال، وأحيانًا اعتداء بعض أطفال ذوي الاحتياجات على الأصحاء، وإن كان دون قصد! وهكذا ينتهي الأمر بأن تجد المدرسة نفسها في مهرجان أو مشفىً عقلي ـــ على أحسن تقدير ـــ من الكبار والصغار والمرضى والأصحاء، أكثر منها في فصل دراسي الغرض منه التعليم والتفهيم!

 

ونخلص أنه إذا كان معنى من تواجد المكفوفين في صفوف المبصرين هو عدم توفير ما يحتاجونه من أجهزة وأدوات ومجهود ووقت يختلف عن المبصرين، والهدف كله هو مجرد الاندماج للاندماج نفسه. أو إثبات أن المجتمع التعليمي قادر على استيعاب الجميع وضمان حقهم في مكان واحد وبنفس الوسائل، متجاهلين اختلاف الاحتياجات، وضرورة تعدد الوسائل لتحقيق الإنصاف التعليمي، فيجب أن نضرب بهذا الاندماج غير المدروس والمنصِف عُرض الحائط!

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك