فلسفة الوقت الضائع

19 أبريل , 2014

 

 

 

هل يمكن أن نبني مجتمع الحضارة إذا فهمنا أن الوقت لا ينتظر أحداً و قمنا بإعداد برامج يومية لتكوين أنفسنا كما نهتمّ بإعداد برامج الترفيه؟

أليسَت قراءة مقال واحد في اليوم أو بعض الصفحات كفيلة بجعلنا نستفيد أكثر مما نستفيده من وجبة عشاء فوق الحاجة أو استهلاك الوقت في أفعال بدون معنى؟

في الواقع، إن الوقت هو الذي يستهلكنا في حين أننا نتوهم أننا من يستهلكه. ولسوء الحظ لا وجود للوقت "بدل الضائع" في قانون لعبة الحياة، كلّ ما هناك هو "النّدم" في آخر المطاف.

 

لست بصدد ممارسة فعل النّقد فيما يخص هذا الواقع، والذي يولّد في النّفس الرغبة في الموت ميتة الجاحظ، تحت أكوام من الكتُب، كلّ الأمر أن واجب الإنتماء لهذا العالم يفرض تحليل وقائعه والمساهمة في إنتاج الأفكار.

قدّمت نظرية التنظيم العلمي للعمل (OST) التي يعتبر فريدريك تايلور أحد أهمّ مؤسسيها، ومباشرة بعد الثورة الصّناعية الثانية، عدّة أفكار وتطبيقات كانت تهدف إلى تحسين الإنتاج بأقل كلفة ممكنة.

 

ماذا لو حاولنا إعادة إحياء التّايلورية لكن هذه المرّة بعيداً عن الإقتصاد؟

رغم أن التايلورية كانت تعاني من خلل حادّ على مستوى المبادئ الأوّلية والتي تعتبر الإنسان مجرد آلة يجب استعمالها بكل الوسائل المتاحة قصد الوصول إلى "طريقة الإنتاج المُثلى" وبالتالي فهو آلة يجب إلغاؤها حين تصبح غير قادرة على الإنتاج، وهذا ما يدخل في إطار "العقلنة المُطلقة" للشغل، غير أن هناك مبادئ أخرى أكثر أهمّية وما يهمّني في هذا المَقام والمقال هو مبدأ إلغاء الأفعال اللاعقلانية واللامبررة.

لقد كان تايلور يحرص على حساب حركات العمّال ودراستها أثناء قيامهم بعملية الإنتاج داخل المعامل، كما أدّى به الأمر إلى تحليلها بطريقة علمية دقيقة ومطلقة.

 

ربما كانت فكرة إلغاء الأفعال والأقوال اللامبررة عملية تفرض نفسها بقوّة الواقع، غير أن هذا يدعو إلى العودة والبحث بفاعلية في كتب تاريخ "التدبير والتّسيير" لفهم الميكانيزمات التي أدّت إلى تفاقم الوضع الذي نعيشه، حيث لم يعد احترام الوقت يعتبر قيمة أخلاقية لا تقلّ أهمية عن الأمانة والصّدق.

يمكن القول إذن إن النظام التايلوري هو أقرب نظام للمثالية من حيث اقتصاد الوقت، بحيث أن الوقت الضائع في المعمل يتمّ تقليصه إلى أقل مدّة زمنية ممكنة. لكن يبدو أن تطبيقه في المعمل مبالغةً تنفي عن الإنسان إنسانيته، لأنه قبل كلّ شيء، كان مفروضاً على كل عامل أن يقلّص حجم الوقت الضائع في المعمل، أي أن شروط تطبيق المبدأ كانت تشكل نقطة بداية الخلل وليس المبدأ في حد ذاته !

والآن، ماذا لو قمنا بتطبيق هذا المبدأ على الحياة اليومية بإرادتنا؟

إنّ التساؤل عن أفعال اليوم ومختلف أنشطته ووضع قائمة ترتبها حسب الأهمية ستؤدي بنا إلى استنتاج مفزع وهو : أكثر من نصف أفعال اليوم لا تنفع في أي شيء ولا تقدّم أية قيمة مضافة إلى الإنسان.

 تحضُرُني مقولة لمؤسس شركة آبل "ستيف جوبز":وقتك في هذا العالم محدود جدّاً. لا تضيعه في محاولة عيش حياة ليست حياتك. كن شجاعاً بما يكفي لتتبع قلبك وحدسَك لأنهما يعرفان بطريقة او بأخرى ما الذي تريده بالفعل. أي شيء آخر يبقى ثانوياً.

 

يبدو واضحاً من خلالها أن الأهم في هذه الحياة هو إيجاد المفتاح : ما الذي تريده بالفعل من وجودك؟

هل تريد ان تكون مجرد رقم يضاف على عدد المواطنين أم أنك تريد الخروج وقد ساهمت في بناء شيء مفيد للأجيال القادمة؟

 

images.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك