في حصة الفيزياء اكتشفتُ نفسي

16 أكتوبر , 2018

جرت العادة أن الابتكار في مجال علمي معين يتطلب دراسة أكاديمية مكثفة ومعمقة يدرس بها الطالب مقدمات ومبادىء هذا الاختصاص، ليتسنى له لاحقًا أن يبني على هذا الموروث العلمي ويضيف إليه ما يثري تخصصه من أفكار جديدة ومبتكرة مكملة لمسيرة أقرانه من الدارسين والباحثين.

إلا أن تجربتي كانت مختلفة قليلًا؛ ذلك أنه شتان بين دراستي الأكاديمية في علوم الإدارة وبين شغفي واهتمامي في مجال الابتكارات الهندسية.

حسناً لنعد إلى البدايات، منذ الطفولة كان يستهويني فك وتركيب ألعاب الأطفال، وكانت متعتي ليست باللعب في الألعاب نفسها، إنما بتفكيكها والنظر في آليات عملها من الداخل، وهكذا كنت أمضي معظم أوقات فراغي في استكشاف آليات عمل هذه الألعاب والتعديل عليها.

وكان لعائلتي الدور الكبير في هذه المرحلة؛ فتلّقيت منهم التشجيع مع كل إنجاز بسيط قمت به، مع أن ذلك الإنجاز كان على حساب تفكيك بعض الألعاب والهدايا، إلا أنهم كانوا يقدرون أهمية هذه الخطوات لأطورها مستقبلاً لإنجازات أهم مع كل مرحلة عمرية مستقبلية، وهذا ما حدث فعلاً بفضل اهتمام الأهل وتيسير وتوفيق الله عز وجل.

واستمريت على هذه الحال حتى وصلت إلى المرحلة الثانوية، لأستشعر بأني بت أمتلك من الخبرة العملية في الشئون الإلكترونية والميكانيكية، ما يؤهلني للبدء في ابتكار أجهزة إلكترونية تقوم بوظائف متنوعة.

وكانت التجربة العملية الأولى في هذا الميدان خلال حصة مادة الفيزياء في الصف العاشر، عندما كنا ندرس عن جهاز (الفولت ميتر) وكيفية استخدامه، وكان التحدي في وقوفي في اليوم التالي بين الطلاب وتقديم جهاز يقوم بمهمة قياس الفولتية صنعته بيدي لأستاذ المادة، ورغم أن جهازي المبتكر حينها لم يكن يشبه الأجهزة التقليدية، إلا أنه قد قام بالمهمة بشكل جيد رغم استخدامي لأدوات بدائية في صنعه، لتشكل حينها مفاجئة للطلاب ولأستاذ المادة الذي أجرى عليه عدة تجارب بنفسه للتحقق من دقة معطياته.

 

وما هي إلا أيام حتى انتقلنا إلى درس جديد يتناول دراسة الأجسام المتسارعة وحركتها، فلفت انتباهي جهاز أجنبي الصنع كانت قد عرضت صورته علينا في الكتاب المقرر للدراسة، وهنا كان التحدي الفعلي الثاني حين وعدت استاذ المادة بأني سآتي له في اليوم التالي بجهاز صغير يقوم بمهمة الجهاز المعروض في الصورة، وحينها أذكر بأني قوبلت بابتسامات من قبل الطلاب والمعلم تحمل شيئًا من التعجب وعدم تصديق القدرة على صنع جهاز كهذا بأدوات يدوية يقوم بمهمة مماثلة للجهاز الذي ندرس عنه.

وبالفعل عُدت إلى منزلي مع نهاية ذلك اليوم الدراسي وكلي استعداد للسهر على تنفيذ الجهاز قبل شروق شمس اليوم التالي، يومها أخذت مصروفي من أهلي وسارعت لأشتري به سيارة ريموت كونترول صغيرة، ففككّتها واستخرجت منها الأدوات الأساسية اللازمة لصنع الجهاز المخصص لقياس السرعات الثابتة، وفي اليوم التالي كانت المفاجئة للمعلم ولطلاب الصف الذين صفقوا لي بحرارة على هذا الإنجاز وأطلق علي الأصدقاء حينها لقب (إينشتاين) من باب المزاح.

وفي العام التالي أصبحت على مفترق طرق، بين اختيار فرع علمي يؤهلني لدراسة الهندسة وهو بطبيعته يحتاج لجهد ووقت كبير مخصص للدراسة، وبين فرع أدبي لا يؤهلني لذلك لكنه أسهل علي، كشاب في مقتبل العمر لم يكن يعرف ما هو الأنسب ويميل دومًا نحو الأسهل والأيسر، وباختياري للقسم الأدبي انحرفت عن شغفي الذي مال نحو الدراسة الأكاديمية للهندسة، اعترف بتقصيري وأن بعض المشرفين الذين تقع عليهم مسؤولية توجيه الطلاب حسب ميولهم وقدراتهم العلمية لم يقوموا بدورهم كما يجب!

لو أننا أجرينا مقارنة سريعة بين الحال لدينا والحال عند الغرب، سنجد أنهم يجرون دراسات على الطالب في المراحل الابتدائية ليعلموا توجهات الطالب وميوله منذ الصغر ليتم توجيهه للمرحلة الجامعية، بخلاف ما يواجهه الكثير من طلابنا الذين يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان مضطرين لدراسة أفرع غير متناسبة مع رغباتهم وميولهم مما يسبب حالة إحباط  للحافز التعليمي لديهم ويقتل بذور الإبداع.

يتبع…



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك