قصة واقعية على متن قطار: حينما يصبح الحب للانتحار عند الطالبة جامعية (2)

2 أغسطس , 2015

دفع المرأة نحو الفتاة المكلومة عطف وحنان نادرين وإحساس بضرورة منع ما قد يحدث من الفتاة المنتحبة في حق نفسها.. فهي كذلك أم ولها قدر من النبيل.. ومن بخارج مقصورة القطار فتاة أو امرأة صاحبة صوت لا يزال شاباً وفي شؤون المرأة يقول المثل “لا يفهم المرأة سوى المرأة نفسها”.. بعد برهة من الزمن خرجت بدوري من مقصورة القطار أتحسس ما قد يحدث.. وعلني أكون سنداً معنوياً في منع المعنية من الانتحار أو التخفيف عنها من الضغط الذي ألم بها ..بقيت بعيداً ولم أقترب منهما.. والمرأة المسكينة تبذل مجهوداً كبيراً في مناقشة الفتاة محاولة إقناعها ..نعم إنها فتاة في عمر الربيع يبدو من مظهرها انها طالبة جامعية.. ذات جمال ومظهر حسن ..ترتدي قبعة وشعرها أشقر منسدل من تحت القبعة وعلى عينيها نظارات سوداء …
علمت من الحديث الذي يدور بينهما ..أن الفتاة تقصد شابا كانت تتواعد معه ..تطلب المرأة من الفتاة أن تمسح دموعها.. وتحدثها عن مخاطر ما ستقوم به وتذكرها بأن السبيل الذي تسلكه هو مصيدة تقع فيه الكثير من الفتيات والطالبات الجامعيات فالكثير من عديمي الإحساس والمسؤولية والأخلاق يتصيدون فرص الإيقاع بضحاياهم من البريئات وكثير من الفتيات يجرين وراء حب مزيف ظاهره الكلام المعسول وباطنه سم فتاك ..نظرت إلي المرأة وكأني بها تطلب مني المساعدة في إقناع الفتاة بضرورة العدول عن اي فكرة قد تودي بحياتها..

اقتربت اليهما وشرعت المرأة تحدثني عن قصة الفتاة.. وحقيقة الواقعة إنها تقصد أحدهم في الرباط وهو يرفض لقاءها إنه ماكر بفعلته واستغلاله لبراءة فتاة يظهر عليها أثر الطيب وحسن النسب والمكانة …فالمرأة تحدثني حينا وتتوجه إلى الفتاة أن مثل هاته العلاقات ينبغي ان يتم تقييدها بمطالبته الإتيان أبويها لمدينة مكناس إن أراد بها خيراً فالخطبة بالنمط التقليدي هي خير واقي من شرور العلاقات ..فكل تلك العلاقات مفتقدة للصواب “وأنت بهذا الجمال تستحقين ما هو أفضل” هكذا تتوجه المرأة إلى الفتاة بحديثها وبين فترة وأخرى تحنوا عليها ببعض الكلام الرقيق وهي تربت على كتفيها…
توجهت بدوري إلى الفتاة ببعض الكلام قصد التخفيف عنها لكنها ذكرت أنها متوجهة إلى الرباط دون علم أسرتها فوالدتها نقلتها بالسيارة إلى إحدى المعاهد التي تدرس بها بمدينة مكناس لحضور حصصها الدراسية، لكن بمجرد عودة أمها قصدت القطار لتشد الرحال إلى الرباط للقاء الشاب الذي تتواعد معه لتعود في نفس اليوم، لكن الشاب المعني كما تحكي الفتاة امتنع عن اللقاء بها في حين هي تقدم التضحيات لأنها تحبه أشد الحب ولو تقدم لخطبتها فإن أسرتها سترفض إضافة إلى عدم نيته القيام بذلك، حاولت تذكير الفتاة بمخاطر تلك العلاقة وبعض الاستغلال الذي تسقط فيه الكثير من الفتيات تحت مسمى حب مزيف والحياة تمنح المرء كثيراً من الاشياء الجميلة لكن الآلام ومصادر التعاسة بحاجة للتجاوز والنسيان ..وعدم السقوط في الفخاخ التي تنصب للكثير من الطالبات من طلاب الشهوة.

حكت الفتاة أشياء عن أسرتها والمرأة تستغرب ذلك، ولم أكن في موقع استغراب لأني على بعض اطلاع بكثير من الوقائع الشبيهة بما حدث للشابة بالجامعة ..خصوصاُ الأحياء الجامعية التي تؤوي الطالبات والتي تكون قبلة للكثير من الذئاب البشرية الراغبة في اشباع غرائزها بل إن الكثير من الطالبات يدفع بهن الفقر والتهميش وعدم القدرة على مسايرة متطلبات الدراسة إلى استكمال ذلك من أجسادهن، حيث تطفح الأحياء الجامعية بشبكات تتاجر في الدعارة والتي تعمل على إغراء الطالبات القادمات من الهامش حينا أو الراغبات في ولوج هذا الوضع الشاذ والمرضي بجامعاتنا وما يؤسف له أن الكثير من هاته الشبكات ذات ارتباطات تحظى بالتستر وتنعم بدعم أكبر فقد تجد من داعميها مسؤولين إداريين من المكلفين بإيواء الطلبة والحرص على حمايتهم أو أساتذة منحرفين يبتزون طالباتهم أو يغرونهن بكل السبل فالسبيل وعر والسقوط فيه يعني وأد المسيرة التعليمية للطالبة وانتقالها إلى حالة من الشقاء والبؤس والضياع ويكفي أن فخ الدعارة ذات صلة بعوالم الليل والمخدرات وشتى أصناف الإجرام والشذوذ الاجتماعي فتتحول الفضاءات الجامعية ومؤسسات إيواء الطلبة إلى مصدر للانحراف بدل ان تكون عامل دمج وترقية للوعي وإسهاماً في البناء العام للمجتمع والدولة.

إن تلكم الظاهرة الشاذة لا تضرب المستويات الفقيرة وحدها وإنما هي منتشرة سائدة في الأوساط الجامعية نظراً لقلة الوعي بمخاطر المسألة وكذلك لقلة التوجيه والإرشاد وتعلق أغلب الطالبات بوعود قد تأتي بالجحيم بدل أن تكون عامل سعادة كما يمنين النفس ولا يتعلق الأمر بالدعارة وحسب وإنما هي ذات صلة بعلاقاة غرامية تتفكك معها أنسجة نظام القيم لم تفتقد الوجهة ويصير المرغوب فيه غير معلن وربما تكون الطالبة غير مطلعة على حقيقة أهداف تلك العلاقة فالفتاة التي أشرنا إليها ابنة مسؤول كبير بإحدى القطاعات الحساسة بحسب ما صرحت به، لكنها تفتقد الوجهة السليمة والرأي السديد الذي ينبغي ان تتدخل في صياغته عدة فعاليات إلى جانب وظيفة الأسرة في التنشئة..

بعد أخذ ورد في الحديث اقتنعت الفتاة بضرورة العودة لمنزلها والحرص على دراستها وقطع الاتصال بالمعني بالأمر .. لأن ما وقعت فيه مآلاته قد تؤدي الى تأزيم العلاقة مع أسرتها التي ينبغي أن تكون العلاقة معها مبنية على نوع من الحوار والاشراك في الكثير من الأمور وكذلك على مستقبلها لأنها تجري وراء حب سراب لا يمكن أن يكون ذا قيمة ما لم يوثق بميثاق غليظ ويكون المنفذ السليم للاقتناع به مؤسسات على الطريقة المتعارف عليها، مسحت المرأة الحنون للفتاة عيناها من الدموع وبكت معها بكاء شديداً وتعانقاً وما هي إلا دقائق لما عدنا إلى المقصورة حتى توقف القطار في مدينة القنيطرة لتنزل الفتاة عائدة أدراجها الى مدينة مكناس، أطلت المرأة من المقصورة وعيناها عليهما أثر الحمرة والدموع، فأشارت إلي بأن المسكينة نزلت من القطار، وأحسست بفرح السيدة للفتاة من خلال نظراتها وشرودها في التفكير كيف لا وهي تعرف معنى الأمومة وما قد يلحق بفتيات في عمر الربيع من مخاطر ذئاب طائشة؟ لقد قامت السيدة بدور ينتظر من كل النساء بل كل إنسان القيم به، إنه الإحساس بمعاناة الآخر واستيعابها ايما استيعاب، فكم من شبابنا بالجامعات والمدارس بحاجة إلى من يستمع لبعض العوائق التي تعترضهم ويستمع لشكواهم وأناتهم.

إن المخاطر التي تلحق بفتيات بالمدارس والجامعات بحاجة لأي مراكز مختصة للاستماع والارشاد، وكذلك أن يكون رجال التعليم والتربية على قدر المسؤولية في التوجيه والتقويم، فعلى ساحات كل المدارس وكل الجامعات توجد أشواك تحصد أزهار طالبات ينتظر منهن الاسهام في بناء الأمة برمتها، فإذا بهم يتحولون إلى معول هدم في حالة طيش حين يجرون لاهثين وراء رغباتهن أو اثناء استدراجهن بداعي حب زائف، إن الرقي بالوعي وتسديد المر وحده الكفيل بإنقاذ أمواج شابة تقع في شباك قد تؤثر على كل مسيرة الحياة وليس مجرد الجامعة أو التعليم، ولصون هاته الفئات الشابة ينبغي تفعيل مساطر في حق المذنبين من الساعين للإيقاع بالطالبات والتلميذات أو العبث معهن، فالفضاء العلمي مقدس، والعبث به يدخل ضمن المحظور ..



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك