قصة واقعية على متن قطار: حينما يصبح الحب مدعاة للانتحار عند الطالبة الجامعية (1)

18 مايو , 2015

كالعادة في كل سفر باكر.. أقاوم النوم علني ألتحق بقطار 5:35 السريع الرابط بين فاس والبيضاء، لكن النوم أثقل من أن يقاوم على من داوم السهر وجعل الليل نهارًا والنهار ليلاً، فلم يكن من حظي هذا القطار الباكر الذي يجعلك تلحق ذبيب الحياة الصباحي في الرباط والبيضاء، وكان الذي بعده بساعة يأخذ طريقه وأنا أدخل المحطة بعد أن نزلت مهرولاً من  سيارة الأجرة الصغيرة، ساقني القدر إلى القطار السريع بين فاس العاصمة العلمية والرباط العاصمة الإدارية لأشهد فصول واقعة ينضح بها المجتمع وتستشري في وسط الفئة الشابة والمتعلمة خصوصًا، ومن اختاروا العزف على وتر الحب بينما هو نغم ينبعث حقيقة من رغبة الغريزة وحب استغلال بعض ناهشي العواطف البريئة والقلوب التي أطلت قريبًا على بعض معاني الحب أو العلاقات العاطفية.

وكعادة أي سفر يكون الكتاب سيد الجلسة، ولم أختر من الكتب الموجودة بمحفظتي سوى رواية كنت بدأت قراءتها، لكن جاءت مقادير عطلت إمكانية إتمامها وجعلني أغفل عنها وأهتم بدونها بحسب بعض الحاجيات؛ أخذني عبدالرحمن منيف أيما مأخذ وهو يتموج بوجداني وذهني مع قضاياه المتراوحة بين حديث عن المنافي والسجون معتقلات الديكتاتورية وضرورة التحديث  السياسي بدمقراطة  الشرق العربي  والانتقال به من الاستبداد المتلحف بالجهل والنخب الانتهازية إلى الديمقراطية ومجتمع الحريات المتنور بالوعي وقوة الإرادة وقدر من الكرامة التي تحفظ للإنسان المشرقي حقه في الإنسانية كباقي الأمم المتحضرة، تلك قضايا تعج بها روايات منيف البديعة في الصياغة والصناعة الأدبية المعبرة عن إشكالات مجتمع في حقبة معينة بعمق فلسفي متميز، هي مرحلة أما بعد منتصف القرن العشرين والتي لم تنتهي فصولها لحدود اللحظة، في هذا الجو الأدبي داخل مقصورة بالقطار وبين الفينة والأخرة نظرة سريعة أحيانًا مطولة على جو الربيع الذي أزهر وازدانت به كل الدنيا جمالاً مع موسم مطير أحيا النفوس وقلوب الناس قبل أن يحي باطن الأرض وتربتها؛ في هذا الجو أثارنا صوت فتاة تبكي وتنتحب وهي في حديث هاتفي مع شخص آخر تطالبه بضرورة لقائها، واستمرت تترجاه وهي في حالة هيجان.

لم يتوقف البكاء، واستمر نحيب الفتاة خارج مقصورة  القطار، ومع كل إجهاش بالبكاء وارتفاع لصوت النحيب، يرتفع نداء رجاء الفتاة للمهاتف وتزيد من مطالبتها إياه بضرورة اللقاء وأن يمنحها فرصة نصف ساعة، كنا نحن الركاب الذين نرقب بآذاننا هذا الإجهاش في البكاء والإصرار من الفتاة على مجرد اللقاء باستغراب، وجميع من بالمقصورة صامت يتساءل دون أن يشارك الآخرين،  إنه أمر خطب، حدثت نفسي عنها استدراراً للعطف، مسكينة هذه الفتاة، ليت أمرها يكون هينًا، وألا تكون قد حلت بها مصيبة، ربما تكون تخاطب والدتها أو والدها، فتعلق الأبناء بآبائهم جد متين، ومن الصعب على أحد أن يتصور انقطاع الصلة مع والديه مهما كانت مرارة بعض أنماط الحياة العائلية والأسرية.. ومن يدري بأن صاحبة الصوت المنبعث بكل معاني الأسى الممزوج بالرغبة في اللقاء والشوق الممدود إلى المخاطب، أم مكلومة في ابنها أخذه مجون الحياة و مظاهر الانحراف أيما مأخذ، فهي متعلقة بابنها الذي تملكه التيه وأمنيتها أن تحضنه بين ذراعيها الدافئين وتمنحه حنان وعطف  الأمومة المفتقد في الشوارع وفي أروقة الملاهي الليلية والمرافق التي أصبحت ملاذًا لفئة من  الشباب اليافع الذي تفتقت عيناه على الانحراف، يغتني من ورائه بعض المقامرين بالاستثمار في بؤس فئات شابة امتنع عليها الإحساس بحضن الأسرة أو انجرت طواعية ودون مقاومة في مرحلة طيش للتلذذ ببعض السموم التي تظن هاته الفئات أنها جالبة للسعادة، أو تنسيهم بعض الألم والمعاناة الذي يعترض طريقهم هنا أو هناك، لكن سنهم الصغير أو قلة تجربتها واطلاعهم حال دون معرفتهم بأن سبيل  الانحراف يورث الشقاء ويفكك الأسر ويجعل من الشباب اليافع نكسة في مسيرة مجتمع قاعدته الشبابية جد متسعة، لكنها معطلة عن أداء المهام المنتظرة منها، فطبيعة مجتمع متخلف ودولة ترزح تحت تأثير لوبيات متصارعة لا تقدر قيمة الإنسان ولا تفكر في غير ذاتها، ولو من المتاجرة بحياة أغلبية مجتمع وفئة تشكل قطاعا عريضًا ورأسمالاً رمزيًا لم يجد من يحسن تقدير واستثماره..

توقفت الفتاة قليلاً..ثم عادت تصرخ.. (الله يجازيك) جزاك الله خيرًا ..علاء..نصف ساعة وحسب وانتقلت من الرجاء والإلحاح إلى التحدي؛ التحدي بالانتحار من القطار..وأن تلقي بنفسها وتضع حدًا لحياتها..شدنا الهول من إمكانية الانتحار..وما هي إلا دقائق حتى خرجت عندها سيدة قاربت الستين من عمرها كانت ترتدي جلبابًا مغربيًا أصيلا أسود اللون .. وفي محفظتها مصحف تناولته من بداية السفر وبقيت وقتًا ليس بالقصير تقرأ فيه ما تيسر من آيات الذكر الحكيم كما هي عادة الكثير في السفر..فالكتاب خير أنيس في السفر ..فكيف به إذا كان المؤنس كتاب الله ..فتلك رحلتان..إحداهما ذي معنى مادي على متن القطان من مدينة وفضاء جغرافي إلى آخر..وأخرى روحية تصل المرء بعالم السماء..



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك