“لم أكن أقصد”!

10 أبريل , 2014

 

[[{“type”:”media”,”view_mode”:”media_large”,”fid”:”977″,”attributes”:{“alt”:””,”class”:”media-image”,”height”:”332″,”typeof”:”foaf:Image”,”width”:”480″}}]]

 

 

 

 

"لم أكن أقصد هذا" كم سمعنا هذه العبارة ونطقناها وكم سببت لنا المشاكل، أين تكمن المشكلة يا ترى؟ لماذا يتلقى المتلقي العبارة بفهم مختلف عما قصدناه؟ هل ما نقصد وما ننطق متوافقان دائما؟ أم أن الكلمات تخذلنا فنُفهم بطريقة لم نقصدها؟ أم أن المتلقي نفسه يسيء الظن أو يحب اصطناع المشاكل مثلا؟

 

 

في دراسة كلاسيكية على مجموعة من طلاب الطب حيث دخل الأستاذ الجامعيّ يشرح لطلابه في الشعبة الأولى نسبة نجاح عمليّة للسرطانعافانا الله وإياكمبما يقارب ٥٠٪ ! وفي الفصل الآخر أخبرهم بنسبة فشل العمليّة ذاتها بنسبة ٥٠٪! المذهل في هذه الدراسة أن طلاب الشعبة الأولى خرجوا بتفاؤل كبير، يشجعون هذه العمليّة ويخبرون زملائهم بنسبة نجاحها الكبيرة، وقد اصطدموا بطلاب الشعبة الثانية الذين حذروا منها ونبهوا إلى نسبة فشلها وخطورتها!

النسبة هي ذاتها لم تتغير (نسبة النجاح ٥٠٪ أي أن نسبة الفشل هي ذاتها) إذا ما الذي حصل؟ 

 

حسنًا سأعطيكم مثالًا عمليًا تستطيعون تجربته:

هناك قطاران، قطار أ وقطار ب، يتجه قطار أ من مدينة اربد وحتى عمان، ويتجه قطار ب من مدينة عمان وحتى إربد على نفس الخط، فلنفترض أن المسافة التي سيقطعانها ٥٠ كم بسرعة ٢٥كم\س، وهناك طائر سينطلق مع القطار أ ليصل إلى مدينة عمّان لكنه سينطلق بسرعة ٦٠كم\س، لكن هذا الطائر سيطير مع انطلاق القطاران من عند قطار أ، ليصل إلى ب ثم يعود إلى أ، ثم يعود إلى ب إلى أن يلتقي القطاران في الوسط، كم ستكون المسافة التي قطعها الطائر منذ أن انطلق وحتى التقاء القطارين في الوسط؟

 

 

أغلب الإجابات ستكون طريقة حل طويلة على ورقة وحسابات رياضية، وربما رسومات لخط سير القطاران وسرعتهما والمسافة والطائر لحساب المسافة التي سيقطعها الطائرلكن ماذا لو غيرنا صيغة السؤال لتكون: كم سيأخد من الوقت حتى يلتقي القطاران؟ بكل بساطة ستكون الإجابة ساعة، أي أن الطائر قطع ٦٠ كم!
 

(نجاح وفشل) (مسافة ووقت) كلمتان كانتا كفيلتين بتغيير منظور الطلاب بشكل كليّ للعمليّة، وبتغيير طريقة حلّك للمسألة

 

 

تتعدد الأسباب في فهم الكلام على غير مراده إلا أن أهمها هو أسلوب الخطاب والحديث والكلمات المنتقاة والمستخدمة. كم منا يفكر قبل أن ينطق كلامه؟ أو يرتب كلماته في سياق صحيح وسليم؟ وكم منا يرمي كلامه على عجل فيندم بعد ذلك ويبرر أنه "لم يكن يقصد ذلك"؟ قد يتهم المتحدث المتلقي بعدم فهمه وتسرّعه، لكن هل فكر أن ينظر لكلماته التي استخدمها ولحال المتلقي وللمكان والزمان؟ هل راعى ذلك كله حتى لا يقع في خطأ "لم أكن أقصد"!؟
 

ضربت مثالين عمليين لنعي فعليًا أثر الكلمات القوّي، فقد خُلق كل حرف لحال معين فإذا ما علمنا حاله ووظفناه لما خلق لأجله وتضافرت جهودنا مع طبيعته وانسجمت انسجامًا عذبًا حققت مرادها وبلغت غايتها فلا تفهم بشكل خاطئ ولا يجب عليك أن تقضي وقتًا تشرح فيه ما قصدت وتبرر لنفسك، بل تكسب بذلك قلوب أصدقاءك وتجذبهم وتسرّهم بطيب الحديث وبصدق القول.

 

ليس الأمر بالهيّن وإلقاء اللوم على الآخرين بأنهم لا يفهمونك ليس دائما صحيحًا، هل فكّرت يومًا أن تفتح كتابًا للبلاغة العربية لترى فيها أساليب الخطابة ومعانيها وطرق استخدامها، وتقرأ بلاغة العرب، لتعي جيدًا فن القول وكيفية مراعاة حال المخاطب وكيفية الاختصار وتحديد العبارات الصحيحة والمناسبة التي توفي المعنى حقه دون زيادة أو نقصان؟!

 

ولا يغيب عن بالي في هذا الصدد أيضًا أن ألقي باللوم على المناهج التعليميّة التي كانت فقيرة جدًا من هذه المهارات التي نحتاجها في حياتنا اليوميّة، لعلنا نذكر جميعًا كم درسنا الأشعار والأساليب البيانيّة وروعة الشاعر وإبداعه وكم حفظنا المصطلحات ومعانيها، لكن هل كانت هذه المناهج كفيلة حقًا يتطوير وتحسين القدرة الخطابية لدى الطلاب؟ وبقدرتهم على إيصال الفكرة بطريقة سليمة وسلسلة وواضحة فلا تحمل عباراتهم مجالًا لأكثر من تفسير متناقض وإنما تؤدي المعنى تمامًا؟ هل خرج الطالب من المدرسة حقًا بكفاءات عمليّة وقدرات عميقة يستطيع توظيفها في حياته اليوميّة؟ أذكر جيدًا مادة البلاغة التي درستها في الجامعة الأردنية أثناء تخصصي في قسم اللغة العربيّة، وكم تحسرت بأننا لم ندرسها في المدرسة فهي المادة العملية التي يحتاجها الطلاب، لا أقول طلاب تخصص اللغة العربية، وإنما طلاب الطب والهندسة والفلسفة والعلوم السياسية.. الخ، لما توفره من أساسيات هامّة في كيفية الخطاب والكتابة وإيصال المعلومة.
 

نأمل أن يتغير هذا الحال، لنصبح أكثر دقة، ونعطي الطالب ما يحتاجه حقًا في حياته لا ما يقدم به الامتحان فينجح! وأن يبدأ بذلك المعلمون في حصصهم فيغيروا قليلًا ويقدموا لطلابهم شيئا عمليًا يفيدهم في حياتهم كلها ليذكروهم فيه وتكون لهم بصمة، لنصل إلى مرحلة حين نخاطب بها أحدهم أو نكتب شيئا فنسأل: هل تقصد ذلك؟ أم قصدت شيئا آخر؟ فنقول: "نعم أقصد تمامًا ما كتبت بكل كلمة!"

 

 

طالبة في جامعة بهجتشهير
تخصص علم نفس
سنة أولى

 

 

 

411789_orig.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

Avatar
لبنى منذ 6 سنوات

جميل سارة
تضاعف ايماني بهذا المبدأ حينما تجرب مثلا عبارات معينة وتقيس ردة فعل الاخرين ، بينما تخضع فريق اخر لعبارات مختلفة و تظهر ردات فعل تنسجم وفق ما تتصرف به او تتحدثه ، نحن البشر متشكلون وفق فطرة معينة و متشابهة مهما تعددت الاعراق والثقافات وكلما زاد وعي الانسان بمهارات الاتصال سيحصد نتائج منسجمة مع غالبية البشر لذلك نعم ينبغي أن نركز جيدا على مفرداتنا في الحوار والحديث و التعليم ، اللغة وآداب العرب معظمها كان بهدف تحسين نوعية التواصل والتفاهم باعتبار هذا الأمر انساني مهم جداً تقدسه أيضا القيم الدينية ، الذي يركز بشكل واضح على تاثير الكلمة الطيبة و مخاطبة الناس وفق عقولهم و على بلاغة وايجاز الوحي دلالة خاصة وعميقة،، مقال جميل سلمت يداك وبانتظار جديدك دوما ،،

كل المحبة

لبنى

أضف تعليقك