ما تريده أنت..

6 مارس , 2015

إذا خطر على بالِ أمٍّ في يومٍ ما أنْ تسألَ طفلها، وهي غارقةٌ في خيالها تراه ذاك الطبيب أو المهندس، وجوفها يفيض بالأمل أنْ تكونَ إجابته واحدة من تلك الخيارات النمطية، لتنطلق الإجابة من فمه البريء منسوجةً بخيوط الأحلام فتوقظُ الأمَّ كمطرقةٍ: “أريدُ أنْ أكون رسّاماً”. عندها فقط يخيمُّ الظلام و يطنُّ في أذنيها نعيق الغراب، حامدةً شاكرة إذ تمتلك فائضاً من الوقت لتغيير أحلام الصبيّ رسّام المستقبل، وتقول له:” لا .. ستكون طبيباً.” وتأخذ تقنعه، مبينةً له روعة وظيفة أحلامها، ضاربةً أمثلة على تجاربِ أطباء العائلة والجيران، تحدثه عن حرفٍ سيسبق اسمه محوّلاً حياته إلى جنّة نعيم، وهذا كلّه يقع ضمن خطتها لتكريس النمطية التي اعتدناها في مجتمعاتنا، ولتكون هي أمّ الدكتور.
و قد نعتبر هذا نموذجاً لحال المجتمع و حال طلبة الثانوية العامّة الذين ما زالوا يواجهون كابوس اختيار التخصص بين رغبة الأهل و حاجة السوق و أيضاً شغفهم الذي باءت محاولات اكتشافه بالفشل، فيغدو التخصص الجامعيّ الذي هو خيارٌ فرديّ خياراً مكللاً برغبات المجتمع ونظرته التي أغمضت عينيها عن أحلام الطلبة، ويصبح الطالب أسيراً لأحلام أمّه و أبيه، و أسيراً لمكانته الاجتماعية التي تُحددّ بلقبٍ يسبق اسمه. ولا أرى سببًا منطقيًا لهذا كله فأنا أعلم وأنتم كذلك أنّ الإنسان إذا أحبّ شيئًا حاكه بأناملِ الإبداع، فلِمَ يفرض المجتمع قيوده على ما نحبّ؟ وإذا انتهت الكارثة إلى هنا فهذا بفضلٍ من الله ولكنّها تمدّ خيوطها إلى ما هو أبعد من هذا لتصل إلى الجامعة، فحتى الجامعة التي هي رايةُ النهضةِ والتغيير تفرّق بين هذا وذاك، فنجد الطالب يحمدُ الله على نعمة الكليات العلمية وما فيها من خدماتٍ لم تصل بعد باديةَ الكلياتِ الإنسانية.
و لكن بالرغم من هذا كلّه، بالرغم من القاع الذي نعيش فيه بأفكاره السلبيّة التي تطمس الإبداع، تسحقه كما لو كان عدواً، تذكّر أنّ الحياة واحدة فـ احيا حياتك التي تريد، هي مغامرة فإمّا أنْ تنجح و إمّا أنْ تنجح، وكن أنتَ المتمرِّد الذي تحرر من قيود (برستيج) المجتمع، و اصنع من حجارة الطريق سلمَ الوصول، سلم الوصول إلى ما يراه الآخرون مستحيلاً، وأنتَ تشقّ طريقك لا تنسَ أنْ تصمّ أذنيك عن التثبيطات التي ستسمعها ممّن حولك و لا ضرر إنْ استعنت بها لتطلقك سهمًا إلى الأمام، وفي دربك ارمِ اليأسَ في بحرٍ سحيق، ولا تنسَ مهما كان خيارك أنّ أسماء العظماء عظيمة دون الحاجة إلى ألقاب.

 طالبة جامعية

الجامعة الأردنية

قسم اللغة العربية وآدابها



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك