مذكرات طالب جامعي في كوكب بوخالف – الحلقة الثانية

24 أبريل , 2014

بعد أن أمضيت ثلاث سنوات في المدرسة العليا للتكنولوجيا بسلاّ، المدينة التي أقطن بها و لا يفصلها عن العاصمة الرباط سوى نهر "أبي رقراق"، و تخصصي في مجال الهندسة المدنية، اعتقدت أن الوقت قد حان للبحث عن وظيفة تساعدني على خوض غمار الحياة، لكن القدر كان يخفي لي مسارا آخر.

سأشرح بشكل أكثر تفصيلا :

لم أعشق يوما الهندسة المدنية، بل و التخصص العلمي بأكمله، كنت مغرما بالكتابة و المطالعة و الأدب، لكن بعض الظروف التي يطول شرحها لم تساعدني على الدراسة و التخصص في ميدان الصحافة و الإعلام، فتخصصت "على مضض" في الهندسة المدنية.

المدرسة العليا للتكنولوجيا تمنح شهادات تقني عالي في تخصصات عديدة، بعد دراسة و مدة تكوين لسنتين، و بما أنني كنت أدرس ما لا أحبه و لا أطيقه، فقد رسبت في السنة الأولى و كانت رغم كل شيء صدمة قاسية لمن تعود على ترتيبه دوما بين الثلاثة الأوائل، كررت السنة، و نجحت بالكاد، نفس الشيء بالنسبة للسنة الثانية، عندما حصلت على الشهادة المنشودة بشق الأنفس و بعد جهود مضنية تكللت أخيرا بالنجاح.

بعد حصول الطالب على شهادته في هذه المدرسة، يكون أمام خيارين رئيسيين، البحث عن شهادة إجازة أو سلك مهندسين لإكمال مسار (باكالوريا + 5 سنوات) أو البحث عن عمل بمنصب تقني عالي بذات الشهادة (باكالوريا + سنتين).

بالنسبة لتخصصنا في الهندسة المدنية، كنا نصطدم بمشكل عويص، إذ لم تكن حينها أغلب الكليات قد اعتمدت هذا التخصص في سلكي الإجازة و الماجستير، كما أن المدارس العليا للمهندسين لم تكن تقبل طلبة من هذه المدرسة، الحلول المطروحة إذن هي اجتياز مباراة ولوج سلك المهندسين ببعض الكليات، و التي لن تقبل منا إلا أقل القليل، أو تغيير التخصص لآخر أقرب له كتقنيات المياه و البيئة و التطهير، إلخ…

بما أنني كنت أعتبر أصلا أن حصولي على على شهادة تقني عالي في تخصص لا تجمعني به أية علاقة غرامية، إنجازا في حد ذاته، و بما أن حالتي المادية المتواضعة لم تكن تسمح لي بإكمال دراستي بالديار الفرنسية، فقد عزلت نفسي عن كل هذه المتاهات و قبعت في المنزل بعد تخرجي، أنتظر نهاية العطلة الصيفية لبدء البحث عن عمل، لكنني لم أتوقع حينها أي مستقبل ينتظرني.

كان يوما صيفيا قائظا، عندما رن جرس المنزل، فتحت الباب لأجد أمامي صديقي (أ.ع)، كان زميلي في التخصص، و درسنا سابقا في المرحلة الإبتدائية، رسبنا معا في السنة الأولى، أنا للأسباب التي شرحتها، و هو بسبب انشغاله بمسابقات رياضة الجيدو التي يحترفها، زارني حاملا خبرا مقتضبا :

" اسمع، لقد فتحت كلية العلوم و التقنيات بطنجة سلك الإجازة في الهندسة المدنية، ابتداء من السنة الجامعية المقبلة، القسم موجود أصلا و مكون من طلبة الكلية أنفسهم، لكن مسؤولي الإجازة يريدون تطعيمه ببعض العناصر من جهات أخرى بنفس التخصص، العدد المطلوب محدود للغاية، و الخبر لا زال طي الكتمان، عرفته عن طريق إحدى قريباتي التي تشتغل بتلك الكلية، لا تخبر أحدا حتى لا يشيع الأمر و نفقد حظوظنا، خصوصا أن معدلاتنا متدنية مقارنة بزملائنا."

ألقى على مسامعي هذه القنبلة و رحل، تشاورت مع الوالدين، و كان رأيهما خوض التجربة، فأنا لن أخسر شيئا بمحاولتي الدفاع عن حظوظي رغم أن احتمالية قبولي تعني مصاريف إضافية، أعان الله والدي على تحملها، أما قدرتي على التعمق أكثر في هذا الميدان، فذلك موضوع آخر.

و هكذا اقتربت العطلة الصيفية من نهايتها، و في عز شهر رمضان، في ليلة لا تنسى، استقليت القطار صوب مدينة طنجة، عروسة شمال المغرب، حاملا ملف ترشحي، ترافقني والدتي التي كانت ذريعتها زيارة ابنة خالتها، فيما السبب الأهم و الواضح هو مساندتي و الوقوف بجانبي مهما كلف الأمر، خصوصا أنني ابنها الوحيد.

كان صديقي (أ.ع) في انتظاري هناك، ما الذي حصل بعد ذلك ؟ تابعوني في الحلقة المقبلة من مذكرات طالب في كوكب بوخالف…

456930_347341768657508_1846736781_o.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

عبد المجيد منذ 4 سنوات

شكرا جزيلا أخي…تابع الحلقات المقبلة فربما تحمل أحداثا أكثر تشويقا 🙂

أروى التل منذ 4 سنوات

أتابع باهتمام ما تكتبه يا عبد المجيد ، واعتقد انه من الأهمية بمكان … عل ما تكتب يكشف مستورًا، ويغير حالَا …
الموقع الشخصي

أضف تعليقك