مذكرات طالب في كوكب بوخالف-الحلقة 17

7 أبريل , 2015

ذهبت لاجتياز فترة التكوين في إحدى المصالح الحكومية، و كانت بالفعل أفضل فترة تدريبية أجتازها في حياتي، لأنها مناسبة لإمكانياتي، و الزملاء الذين عايشتهم طيبون للغاية، و ساعدوني على تجاوز رهبة الأيام الأولى والتفريق بين النظري الذي درسناه في الكلية، و التطبيقي الذي نعايشه في ميدان العمل.

حتى نفسيتي تغيرت إلى الأحسن، فقد أحسست بأن الكابوس و المعاناة في تلك الكلية يقتربان من نهايتهما، وآفاق سوق العمل قريبة مني أكثر من أي وقت مضى.

كنت مجبراً على الذهاب في شهر يونيو إلى طنجة والكلية، بقصد اجتياز إمتحان إعادة مادة (ع.ض) التي رسبت فيها السنة الماضية، و أجبت على الأسئلة، فساعتها لم أكن أفكر سوى في الأطروحة النهائية التي تمثل جزءاً مهماً من النقطة الموجبة للنجاح و الحصول على الشهادة المنشودة.

و بما أننا في كلية لا احترام للمواعيد و الأوقات فيها، وهذا ما تحدثت عنه مراراً وتكراراً، فلم يحن موعد عرض أطروحة نهاية الماجستير إلا في شهر أكتوبر!.

نعم، فالتأخير جعلنا نرى الآخرين ينتهون من كل هذا في شهو يونيو أو يوليو على أبعد تقدير، أما نحن فقد تم إجبارنا على قضاء العطلة الصيفية في انتظار صعب ومريع، كالمكبل الذي لا يستطيع القيام بشيء إلا بعد أن تنتهي هذه المرحلة.

الطريف في الأمر، هو أن شهر أكتوبر من تلك السنة كان موافقاً لعيد الأضحى المبارك، و المفارقة هي أن مدينة طنجة لم تختر سوى منطقة بوخالف النائية لإنشاء السوق الخاص بأضاحي العيد، بمعنى أن المنطقة ستتحول إلى زريبة كبيرة يتقاطر عليها أبناء طنجة من كل حدب و صوب، حتى المكان الذي نقطن به أصبح محاصر بالمواشي من كل جهة، كما فضل كل أصحاب المحلات الصغيرة كالمحلبات والأكلات السريعة و المقاهي إفراغها من محتوايتها، وتأجيرها لباعة المواشي طمعاً في مقابل معقول قد لا يحصل عليه من تجارته الأصلية طيلة 10 أو 15 يوماً هي مدة عمل هذا السوق المؤقت.

لا أستطيع وصف تلك الأيام الغريبة و كيف عايشناها، لكن مضت على كل حال، و كان موعد أطروحتي 3 أيام فقط قبل العيد.

صحيح أن مدة عرض الأطروحة لا تتجاوز النصف ساعة على أبعد تقدير، بالإضافة لأسئلة و ملاحظات لجنة التحكيم المشرفة عليها، لكنها تختزل سنوات و سنوات من الدراسة، أنا أقوم بعرض تفاصيل أطروحتي و ما اكتسبته من معلومات طيلة مدة التكوين، و في نفس الوقت أتذكر سنوات طويلة من الدراسة المضنية، السهر، الغضب، ترقب نهاية هذا المشوار الذي فرض علي قسراً، و مشاعر أخرى مختلطة لم أستطع تمييزها، خصوصا أن هذه الأطروحة تمت على مرأى ومسمع من الوالدة الحنونة الصابرة وبعض أفراد العائلة وعدد كبير من الأصدقاء و الزملاء.

مر كل شيء على أفضل ما يرام، وتم إعلامنا بأن النتائج ستكون مباشرة بعد نهاية عطلة العيد، فاحتفل الجميع بنهاية مشوارنا في بوخالف و اقتراب لحظة الوداع، و عدنا إلى منازلنا بمعنويات مرتفعة وسعادة كبيرة لا توصف.

مرت عطلة العيد، و انتظرنا ورود أخبار جديدة من هناك، أتت الأخبار، لكنها كانت مفاجئة ولم تكن سعيدة لعدد كبير منا، والسبب؟

تابعوا الحلقة المقبلة والأخيرة من سلسلة المذكرات الطويلة لطالب في كوكب بوخالف، حتى تعرفوا نهاية الأحداث السريعة والمتلاحقة في هذه الكلية التي أصابتنا بكل أنواع الأمراض النفسية و الانهيارات العصبية، ولم نحتفظ منها سوى بذكريات الحياة الطلابية الجميلة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك