مذكرات طالب في كوكب بوخالف-الحلقة 18 و الأخيرة

27 أبريل , 2015

قضينا عطلة عيد الأضحى بأفضل ما يكون، فقد كانت الأطروحة رائعة، حضرتها الوالدة الحبيبة، وعائلة خالتي التي كانت خير سند لي في مدينة طنجة، طيلة 3 سنوات هي مدة تواجدي بهذه المدينة، فيما تعذر حضور والدي بسبب مرضه وعدم قدرته على التنقل والسفر لمسافات طويلة.

كما قلت في الحلقة السابقة، فقد تم إعلامنا بأن النتائج النهائية ستكون بعد عطلة العيد…

كنت سعيدًا، و قد بدأت استعداداتي للبحث عن وظيفة، متوقعًا أن الإعلان لن يتأخر كثيرًا، و تحسنت نفسيتي بشكل ملحوظ، خصوصًا أنني سأتخلص أخيرًا من الكابوس الذي كبلني لسنوات، كابوس دراسة ما لا أحبه و لا أطيقه، و التفرغ ربما لنشاطاتي و اهتماماتي الأخرى.

لكن صدق من قال أن الرياح تجري بما لا تشتهيه السفن…

اتصال مقتضب من الأستاذ الطيب (ر.د) كان كافيًا ليوجه لطمة قاسية لي أنا و أسرتي الصغيرة…

– آسف جدًا يا عبد المجيد، لكنني مضطر لإخبارك بالحقيقة القاسية، لقد فعلها (ع.ض)…

– ما…ماذا تقصد يا أستاذ ؟

– لا أستطيع إخبارك بكل التفاصيل، هي صراعات داخلية بين الأساتذة، ضحيتها أنتم الطلبة، باختصار، أنت و مجموعة من زملائك رسبتم في مواد الأستاذ (ع.ض) مما يعني أنكم سوف تكررون تلك المواد في السنة الجامعية المقبلة، لقد كان قاسيًا جدًا و رفض كل توسلاتنا، فلا يعقل أن يضيع سنة من عمركم من أجل مادة أو مادتين..

 كان ذلك المشهد مطابقًا تمامًا لما نراه في المسلسلات و الأفلام، عندما يسمع البطل أو البطلة خبرًا سيئًا في الهاتف فيسقط من يده من هول الصدمة، و لا يدري أية صاعقة نزلت على رأسه.

كان خبرًا صعب التصديق، ففي عرف الجامعات، إجتيازك لعرض الأطروحة النهائية معناه أنك قد نجحت في كل المواد، و لا تنتظر حينها سوى الإعلان، لكن الفوضى التي تعيشها الكلية (كما العادة) جعلتهم ينظمون عروض أطروحاتنا النهائية قبل مناقشة نجاحنا في المواد الأخرى  ! أي هراء هذا ؟

كان موقفًا صعبًا جدًا، تخيل أنك اجتزت الأطروحة النهائية بشكل رائع، حضر فيها أفراد من عائلتك، و اتصل بك البعض الآخر لتهنئتك بنجاحك و حصولك على شهادة الماجستير، ثم فجأة يتبخر كل هذا بقرار من أستاذ معقد نفسيًا يعيش صراعات مع الأساتذة الآخرين فنكون نحن الضحايا !

لا أستطيع وصف هول الصدمة علي أنا و والدي الحبيبين، فاتفقنا على كتمان الخبر، فلم يعرفه أحد باستثناء أبي و أمي و زملاء الكلية بطبيعة الحال، و حزنت جدًا لموقف الوالدين، الذين انتظرا تخرجي بفارغ الصبر، فاضطرا لتحمل المصاريف الباهظة لسنة أخرى، و كل هذا بسبب (ع.ض)

كان لزامًا علي أن أقضي الدورة الأولى هناك في طنجة لمعاودة حضور المادة الأولى التي يدرسها (ع.ض)، فيما أكتفي في الدورة الثانية بإجتياز امتحان المادة الثانية.

وبما أن الفراغ كان سيد الموقف (مادة واحدة في كل دورة)، فقد كانت حالتي النفسية مليئة بالتناقضات التي جعلتني قريبًا من الجنون…

نعم !

من جهة، كنت خائفًا جدًا، لأن مواد هذا المعقد لم تكن تجد طريقها إلي، كنت أجد صعوبة في فهمها بالإضافة إلى كرهي لها، و بما أنه قاسي القلب لا يتورع عن تكرار ما قام به، فقد عشت في رعب حقيقي، خائفًا من رسوبي مرة أخرى، مما قد يعرضني للطرد و ضياع الماجستير بأكمله في غمضة عين، و هكذا ساءت حالتي النفسية بشكل مخيف، حتى وجدت نفسي لأول مرة في حياتي أزور طبيبًا نفسيًا لتخليصي من هذه الحالة التي كادت تدمرني…

كنت خائفًا فعلاً أنا و أهلي، لكن الطريف هو أنني ساعتها لم أكن أعرف الفرق بين الطبيب والأخصائي النفسي، كنت بحاجة فقط لمن أحكي له كل همومي وينصحني بما يجب علي فعله، ولم أكن بحاجة للدخول في دوامة الأدوية والمهدئات التي تجعل المتعاطي لها أقرب لمدمني المخدرات، وهذا ما كان على وشك الوقوع، فقد زرت طبيبة نفسية اعتقدت أنني سأروي لها ما أعاني منه، لكنها في المقابل كانت حريصة فقط على معرفة أعراض حالتي النفسية وكتابة روشتة الأدوية المناسبة، والتي لم أتناول منها ولله الحمد أي قرص أو حبة، لاقتناعي ساعتها أن حل مشكلتي ليس بالأدوية.

من جهة أخرى، كان الفراغ والانتظار القاتل فرصة لمراجعة قناعاتي بشكل قد يغير ربما من حياتي.

بما أن كل رفاقي يشهدون بثقافتي الواسعة وإطلاعي الكبير على مختلف المجالات، لماذا لا أعيد إحياء حلمي القديم بإحتراف الكتابة ؟

وكذلك كان…

كان الأمر أشبه بالتحدي، كما لو أنني قررت إثبات ذاتي وإخراس (ع.ض) الذي كان يتفنن في إذلالي أنا وزملائي ناعتًا إيانا بأقبح النعوت، معتبرًا إيانا كسالى متخلفين لا نستحق هذا الماجستير، مستغلاً بطبيعة الحال عدم قدرتنا على الرد.

و هكذا يمكنني القول أنني اشتغلت على عدة جبهات، في البداية قمت بإحياء مشروع روايتي الأولى، والتي انكببت عليها بشكل جدي، كما انضممت لفريق مراسلي موقع الجزيرة توك لأصقل موهبتي في كتابة المقالات، وتعرفت أيضًا على موقع زدني عن طريق الأخ والصديق عبد الله الرشيد، فكان ذلك فرصة لعرض تجربتي وشرح المشاكل التي تعاني منها الجامعة المغربية، طيلة ما يقارب العشرين الحلقة من سلسلة مذكرات طالب في كوكب بوخالف.

مرت الأيام، وبما أن التأخير هو سيد الموقف كما العادة في الكلية، فقد اجتزنا الإمتحان الأخير والنهائي في شهر رمضان المبارك الذي وافق هذا العام شهر يوليوز، ولكم أن تتخيلو الموقف.

كنت قد بذلت كل ما في وسعي للاستعداد للامتحان النهائي، رغم كرهي الشديد للمادة والأستاذ (ع.ض)، واجتزته متسلحًا بدعوات الوالدين المتشوقين أكثر مني لنهاية هذا الكابوس الذي كان قريبًا من تدميري.

لتبدأ فترة انتظار أخرى، انشغلت فيها بكتابة مقالات ساهمت في تنمية موهبتي، كما أتممت مشروع روايتي الأولى والتي أسميتها “خلف جدار العشق” والتي شاركت بها في مسابقة كتارا للرواية العربية، كما عرضتها على بعض دور النشر العربية في إنتظار تحويلها إلى كتاب مطبوع قد ينشر قريبًا في كافة الدول العربية إن شاء الله.

لم يتم الإعلان عن النتائج النهائية إلا في أواخر شهر أكتوبر الماضي، والتي حملت أخيرًا البشرى السارة، نعم، فقد نجحت في المادتين اللعينتين وتخلصت أخيرًا، و بشكل رسمي، من هذا الكابوس المرعب الذي جثم على صدري لعدة أشهر، و أصبحت رسميًا حاملًا لشهادة الماجستير في الهندسة المدنية، فكانت سعادتي أنا والوالدين لا توصف.

صحيح أنني إلى غاية الآن مازلت عاطلًا عن العمل، لكنني واثق بالله تعالى وبأنه سيرزقني من حيث لا أحتسب، وسيعوضني عن كل اللحظات الصعبة التي عشتها.

أمنياتي ؟

أتمنى حاليًا أن يتحول حلمي إلى حقيقة، ويتم نشر روايتي الأولى، وساعتها سأقوم بإهداء نسخة إلى الأستاذ عبد السلام الضراوي (ع.ض) فقد يكون ذلك ربما خير إجابة مني على كل تلك الإهانات المتكررة التي وجهها إلينا نحن مجموعة كبيرة من الطلبة، وساعتها قد يعيد ربما النظر في طريقة تعامله مع الأجيال الصاعدة، مع أنني أشك صراحة في ذلك…

وهكذا كانت نهاية مذكرات طالب في كوكب بوخالف، “الكوكب” التي عشت فيه لحظات صعبة، وأخري رائعة، اكتسبت فيه عدة خبرات، واستفدت من تجارب عميقة ربما حفرت إلى الأبد في ذاكرتي و قد تغير مسار حياتي إلى الأفضل.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك