من أين يأتي وهمُ الفهم والمعرفة؟ فخّ الاعتياد (1)

16 أغسطس , 2016

“أشدّ أعداء المعرفة ليس هوَ الجهل، إنه وهمُ المعرفة” – ستيفن هوكينغ 

لاشكّ أنك لاحظت أن الطلبة يعتقدون في الغالب أنهم يفهمون مواضيع ودروسًا وتخصصات كثيرة، ويتوقفون تحت هذا الاعتقاد عن تعلم أشياء جديدة حول ما يظنون أنهم يعرفونه.

لكن بمجرد أن يحين موعد الاختبار يكتشفون حقيقة أنهم لا يفهمون في الواقع أي شيء.

قد تجد نفسك أمام درس في التاريخ حول الحرب العالمية الثانية، وبما أن العالم كله يتحدث عن هذه الحرب فهي تبدو مألوفة لك، وبالتالي قد تعتقد خطأ أنها تعرف أشياء كثيرة عن هذه الحرب، ماذا لو أعطيناك ورقة وقلمًا وطلبنا منك كتابة كلّ المعلومات التي تعرفها عن الحرب العالمية الثانية؟

لقد أثبتت التجارب في العلوم المعرفية أنك لن تكتب معلومات صحيحة في الغالب، ومن جانب آخر لن تجد الكثير لتكتبه، هذا يعني أمرًا واحدًا وهو أنك في الحقيقة لم تكن تفهم ما حدث في تلك الحرب ولم تكن تملك معلومات كافية عنها، لماذا إذن اعتقدت عند سماعك اسمها أنك قادر على اجتياز امتحان فيها والنجاح فيه؟

الجواب هو ما قدّمته لنا العلوم المعرفية وهو ما سنلخّصه لكم هنا بطريقة تسهّل عليهم فهم ما يحدث مع الطالب أثناء الامتحانات حين يجد نفسه غير قادر على الإجابة عن أسئلة كانت تبدو له دوماً أسئلة بديهية.

لو سألتك هل تستطيع تسمية عاصمة الدانمارك فستجيبني حتمًا “نعم، أستطيع ذلك”، ولكن لو سألتك هل تستطيع تسمية أربعة روايات متتالية للروائي ميلان كانديرا فستجيبني بالنفي بالتأكيد، ما الذي يحدث في دماغك أثناء تلقي السؤال ويجعلك واثقًا من معرفة عاصمة الدانمارك وغير واثق من معرفة روايات متتالية لميلان كانديرا؟

لاشك أنك تقول إن الدماغ يقوم بالبحث في ذاكرته عن معلومات حول الكلمات التي استعملتها في السؤال، وبالتالي إن وجد الجواب سيقول “نعم، أعرف” وإن لم يجد الجواب أو وجد فقط معلومة ناقصة، مثلًا اسم رواية “كائن لا تحتمل خفته” لميلان كانديرا دون الروايات الأخرى، فإن الجواب سيكون “لا أعرف”.

غير أن الأمر أكثر تعقيدًا من هذه الطريقة التي تعتقدها، ولو كانت الطريقة المعتمدة فعلًا لما كنا نرتكب أخطاء كثيرة حول ما نعرفه وما لا نعرفه.

لكي نفهم أكثر تعقيد المسألة، تخيل أننا نطلب منك أن تخبرنا بمدى معرفتك بالطريق الذي يؤدي إلى شركة سبق أن ذهبت إليها مرة أو مرتين فقط. ستقول حتمًا بأنك تعرف الطريق ولكن لو أعطيناك السيارة بعد ذلك وطلبنا منك أن تقودنا إليها فستكتشف أنك في الواقع لا تحفظ الطريق، ولا تعرف الأزقة والشوارع ومن أين يجب المرور للوصول إليها.

يلاحظ الأساتذة غالبًا أن الطلبة يملكون رؤية خاطئة عن مدى معرفتهم بالأشياء والمواد والمعلومات، إذ يجدون أنفسهم أمام امتحانات كانوا يعتقدون أنها سهلة وفي المتناول، ولكن الواقع غير ذلك.

حاولت العلوم المعرفية سبرَ أغوار هذه المشكلة وتوصلت إلى سببين أساسيين يجعلان الطالب يتوهّم المعرفة في حين أنه لا يعرف أي شيء على الإطلاق.

سنتحدث في الجزء الأول من هذا المقال عن السبب الأول:

“الاعتياد” الذي يجعلنا أدمغتنا تعتقد خطأ أنها تعرف أكثر بكثير مما تعرفه في الحقيقة!

ما نقصده بالاعتياد هنا أن الإنسان يشعر أحيانًا أنه يعرف أشخاصًا أو أشياء أو معلومات، في حين أنه عندما يقوم بالبحث عن كافة المعلومات والتفاصيل المتعلّقة بها في ذاكرته لا يجد أي شيء مهمّ على الإطلاق.

لنفترض أننا طرحنا على الطلبة سؤالًا بخصوص أمر معروف لديهم، هناك احتمال كبير أن يعتقدوا خطأ أنهم يعرفون الجواب إذا كان السؤال يحتوي بعض الكلمات التي يعرفونها سابقًا.

مثلًا: متى انتهت الحرب العالمية الأولى؟ متى بدأت فترة حُكم هتلر لألمانيا؟

عندما يسمع الطالب “الحرب العالمية الأولى” فهو بالتأكيد يعرفها، ولهذا يجعله دماغه يتوهّم أنه يعرف متى انتهت الحرب، ولكن إذا وضعنا أمامه ورقة وقلمًا لكي يكتب الجواب فقد لا يجده بسهولة.

نفس المثال ينطبق على “هتلر” وأي شيء آخر معروف لدينا.

إن تعوُّدنا على سماع بعض الكلمات يجعلنا نعتقد أننا نعرف كلّ شيء بخصوصها، في حين أنها خدعة ذهنية فقط.

يؤثّر هذا الأمر سلبًا على الطالب لأنه في كلّ مرة يواجه فيها اختبارًا لا يعدّ له بشكل جيّد لأنه يتوهّم معرفة كلّ المعلومات المتعلقة بالدّرس، وبالتالي يُصدم في النهاية أمام ورقة الامتحان بأنه لا يعرف أي شيء يُذكر.

هكذا نُسيء استعمال المعرفة.

لكن كيف يقع الطّالب في وهم المعرفة بسبب الاعتياد؟

إذا كنت تصادف في كلّ مرّة تفتح فيها التلفزيون أو الرّاديو أو بعض الكتب مصطلحات أو أحداثًا معينة، ففي كلّ مرة تسمعها فيها سوف تترسّخ في ذهنك فكرة أنك أصبحت تعرفها بشكل كامل، ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

وبالتّالي فإن تكرار سماع أو قراءة نصوص عن أمر معين لا تعني أبدًا أنك تقوم ببناء معرفة صلبة تنفعك لاحقًا، هذا يعني فقط أنك أصبحت تعتاد عليه كلّ يوم أكثر من سابقه، وهذا الأمر أخطر مما تتصوره.

من الأسباب الأخرى التي تجعل الطّالب يقع في فخّ “الاعتياد” كونه عندما يسمع دروسًا مشروحة بشكل عميق من طرف الأستاذ فإنه يعتقد لاحقًا أنه فهم الدّرس جيدًا، المشكلة أن الأفكار العميقة التي تمرّ بأسماعنا يجب أن يرافقها تفكير عميق أيضًا فيها لكي تترسخ في الذاكرة، لذلك فإن الأغلبية العظمى من الطلبة تكتشف أثناء الامتحانات أنها لم تفهم الدّروس بالشكل الذي كانت تتوقعه.

سنتحدث في الجزء الثاني من المقال عن السّبب الثاني الذي يؤدّي بنا إلى وهم المعرفة والفهم. تابعونا!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك