من وحي التجربة (1) طالب بين أروقة الجامعة

14 سبتمبر , 2016

 

الصورة الذهنية التي تسكن في مخيلة أي شاب في ثانويته العامة عن الجامعة تؤثر عليه إلى حد كبير، فإما أن تنقله بسلاسة إلى مرحلة جامعية متزنة ومفيدة، وإما أن تصدمه وتترك في نفسه آثارًا سلبية قد لا يستطيع الطالب الجامعي بعدها الصمود فينهار أمام واقع لم يتحصن له، أو لربما لم يحصنه مربّوه لمواجهة وقائع الحياة المتقلبة ليستوعب ويتقبل صدماتها.

وكباقي أقراني الطلبة كنت أتوقع أن الجامعة حياة أخرى، تنقلني من المجتمع الطفولي الصبياني، الذي يتعامل فيه المدرس ومدير المدرسة بل حتى البواب معنا كأننا قطيع يساق. ولعله توصيف نسبي لا يمكن أن يسحب على جميع المدرسين أو المدراء أو العاملين في الحقل التعليمي الذين يُقَدَّرون لك في حياتك وطريقك، لكنها طبيعة العقل البشري الذي يحتفظ بالصور المؤلمة أكثر من الصور الأخرى.

ولهذا فإنني أهمس في آذان زملائي المدرسين في المدارس بمراحلها المختلفة: حاولوا أن ترفعوا من شأن أبنائكم الطلبة، وترتقوا بأحلامهم وتحيلوها واقعًا مع الزمن. فالمواقف لا تنسى، وتستحيل مع الزمن إلى معاني تستقر في الكيانات التي تعلمونها، وحذار أن تساهم عزيزي المدرس في إضعاف روح الانتماء والحيوية على العملية التربوية من خلال تصغير هذه الأحلام البسيطة.

عودة إلى البدايات حيث كنت أحلم بمجتمع آخر ينقلني مرة واحدة إلى مرحلة الشباب والاحترام والتقدير والشخصية التي يجب أن تفرض نفسها على الآخرين، وتنتزع احترامها عنوة إن لم يكن طواعية.

ولهذا فإن الطالب في الأيام الأولى له في الجامعة، يرغب في خلع كل قديم ولبس رداء لطالما حلم به، وتمنى أن تسابق السنون بعضها ليجلس على مقاعد الدراسة الجامعية، ويعيش قصصها وأحلامها الجميلة.

كان لتغير الأسماء وقع مبهر على أسماعنا، فكنا نسعد بترديد كلمة ” دكتور ” بدلًا من أستاذ ، ونرفض أن يطلق أحد زملائنا الطلاب ” حصة دراسية ” على المحاضرة، بل كنا نتهكم إلى حد الإفحام لمن يتفوه بهذه الكلمة ولو دون قصد.

تلك هي الأحلام والأماني التي يرسمها الطالب في بدايات مشواره الجامعي، ولأنني التحقت في البداية بكلية العلوم، ودرست الرياضيات، ثم الحاسوب واستقر قراري بعدها على دراسة التربية فقد عايشت نماذج متنوعة من الطلاب والمدرسين ولكل فئة من هؤلاء مواصفات وخصائص تكاد تقف حائرًا أمامها، فكل محاضر يحاول أن يلصق بتخصصه الأفضلية ويلقي في روعك أن العلوم والتخصصات الأخرى ما هي إلا عالة على هذا التخصص أو هذا المجال، بنوع من المغالاة وعدم الإنصاف، خصوصًا إذا تطرق هذا المُنَظِر إلى تخصصات أخرى، فتراه يكيل النواقص والمثالب لتلك التخصصات، ولهذا فإني في بداية كل فصل دراسي أقابل طلابي وطالباتي بنوع من مغايرة تلك الكلمات التي كنت أسمعها عندما كنت طالبًا، فأنا أحرص بالتأكيد على تعزيز التخصص الذي أدرّسه لطلابي، وأبث في نفوسهم حبًا حقيقيًا لهذا النوع من العلوم والفنون، لكنني أتعمد ذكر التخصصات الأخرى والتي تتكامل مع تخصصي الذي أدرسه، وربما أحاول منع نفسي من ذكر فضائل العلوم والتخصصات الأخرى، ولهذا فمنذ البداية لم أتعلم الإنصاف من مدرسي للأسف.

وتواجهك بعد ذلك بعض الحالات والنفسيات التي تصدمك وتعيدك إلى ماضيك الذي حاولت نسيانه عند أول خطوة لك في الجامعة بين أروقة ومقاعد القاعات الجامعية الكبيرة، هذه الصدمة قد تأتيك من دكتور مضى على تعيينه في جامعتك عشرات السنين، وينتظر إحالته على المعاش فلا يهتم مطلقًا لمراعاة وضعك النفسي الجديد، ولا يراعي احترام حلمك، فتراه يكرر على مسامعك قصص زملاء لك عايشهم هو، كيف كانت فرحتهم في بداية الفصل الدراسي الأول لهم وكيف كانت “مخازيهم” ومآسيهم في نهاية الفصل عندما شاهدوا درجاتهم وعلامات المساقات التي درسوها، ويدلك على أعمالهم ومهنهم التي يعملون بها حاليًا (حمّال – سائق – بائع متجول ) وهكذا يعطيك جرعة مركّزة من الخوف والتوتر وتبدأ ثقتك في نفسك تهتز، ويزيد الطين بلة عندما تواجه معيدًا حديث التخرج لا يكبرك إلا بسنوات قليلة “يعمل بنظام الساعة ويرجو أن يُثبَت ” يتعامل معك تمامًا كما كان البواب يتعامل معك عندما يغيب مدير المدرسة الابتدائية، من حيث إثبات وإظهار الفوارق بين الطرفين، هذه الفوارق لا تصنعها المعارف بل تصنعها الأمكنة بين المعلّم (المحاضر) و المدير (البواب) من جهة وبين هذا المجهول القادم من أدغال مدارس الصبية والأولاد.

تلك كانت ومضاتٍ لأولى أيامي الجامعية الجميلة، أتذكر فيها خطواتي وأصدقائي، ومعلميَّ الذين أصبح بعضهم زملائي، أراجع نجاحاتي وإخفاقاتي، هي حياة كاملة مليئة بالحنايا التي تحتاج إلى أن ترى النور والهواء.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك