من وحي التّجربة (2) ـ بين أروقة مكتبة الجامعة ـ

28 سبتمبر , 2016

ما إن انتظمتُ في دراستي الجامعيّة، حتّى أخذت أتردّد على محاضراتي الّتي كانت موزّعة بين قاعات الجامعة المتباعدة، وفي الحقيقة لم تكن القاعات فقط هي المتباعدة، بل إنّ الموادّ الدّراسيّة أيضًا كذلك، فقد كانت موادّ الفصل الدّراسيّ الأوّل موزّعة بين متطلّبات الجامعة (يغلب عليها الطّابع الإسلاميّ البحت)، وبين متطلّبات الكلّيّة (ذات الطّابع العلميّ البحت)، وأخيرًا متطلّبات التّخصّص (ذات الطّابع المعقّد البحت).

كانت تستهويني متطلّبات الجامعة (وهي مساقات إجباريّة يدرسها جميع الطّلّاب بغض النّظر عن تخصّصاتهم) كعناوين ومفردات، ولم أرتاح كثيرًا إلى العديد من محاضريها للأسف، ربّما لأنّ الشُّعب الدّراسيّة لهذه المتطلّبات تحتوي على أعداد كبيرة من الطّلّاب يفوق 100 طالب في الشّعبة الواحدة، ممّا يسبّب للمدرّس الحنق والضّجر بشكل تلقائيّ، فما بالك إن كان هؤلاء الطّلّاب حديثي عهد بالتّعليم المدرسيّ ـ والّذي تحدّثنا عن بعض صفاته في الخاطرة الأولى “من وحي التّجربة(1)”.

وربّما لأسباب أخرى ـ لا أحبّ ذكرها بالتّفصيل ـ تتعلّق بالصّفات الشّخصيّة والخلفيّة الثّقافيّة الّتي في الغالب يأتي منها هؤلاء المحاضرون، بالإضافة إلى الفهم الخاطئ الّذي كان سائدًا حول الدّين وتعاليمه من حيث التّزمّت والجدّيّة المفرطة وغيرها من الصّفات الّتي أريد لنا تشرّبها.

في تلك البدايات أدركتُ أنّ المنهاج الجامعيّ شيء والثّقافة شيء آخر تمامًا، فقد كنتُ أقضي معظم وقتي في مكتبة الجامعة، والّتي كانت بالنّسبة لي مكانًا وقورًا أشعر بالهيبة عند دخوله، وقد زاد من هيبتها أولئك الموظّفين الّذين يفرضون الصّمت فيها فرضًا، وربّما نظر إليك أحدهم من طرف نظّارته إن ضبطك متلبّسًا بالهمس مع زميل أو صديق داخل “حرم المكتبة” فيقع لهذه النّظرة قلبك.

كم كنت أتكاسل عندما يحين موعد المحاضرة وأنا غارق في أحد الكتب أو المجلّدات وأنهل منه أمتع ما فيه، ولهذا كنت أجني في نهاية الفصل درجات أقلّ ممّا كنت أتوقّع وأقلّ من أقراني لعدم حضوري جميع المحاضرات، وتكاسلي عن بعضها وتفضيلي كتاب “تراث الإنسانيّة ” الّذي صاحبني طيلة فترة دراستي في الجامعة.

ولهذا صديقي الطّالب احرص على القراءة في فترة حياتك الجامعيّة بكل نهم، وتأكّد من استحضار الألفة بينك وبين أرفف المكتبة وغبرتها، وانسج علاقة جميلة مع موظّفيها، فقد تداهمك الحياة الممتلئة بالمسؤوليّات، فتتمنّى بعدها استراق وقتٍ لتقرأ فيه بعضًا من كتاب ـ كما يحدث الآن مع مُسطِّر هذه السّطورـ.

ومن أشدّ ما يستحضرني في تجربتي كطالب جامعيّ، تلك الصّداقات الّتي كنّا ننسجها مع أناس يختلفون عنّا في الجغرافيا والطّباع والثّقافات، حيث تتحوّل الجامعة في بداية كلّ عام دراسيّ جديد إلى خزّان بشريّ تصبُّ فيه جميع المحافظات خيرة أبنائها أو أبنائها دون الخيرة.

فسبحان الله كم هي مشارب النّاس متعدّدة واختلافاتهم متجذّرة، واعتداد كلّ جماعة منهم بخصائصها وطباعها؛ فمنهم من هو حادّ الطّباع متوجّسٌ من كلّ غريب، فتراه ـ بالكاد ـ يلقي عليك السّلام في وجل، ومنهم العِشَريّ الاجتماعيّ والّذي يسبقك بالحديث والتّرحاب والاهتمام كأنّما تربّيتما معًا، وغيرها من النّماذج والّتي كنت أسعدُ باكتشاف تفاصيلها على كل حال، وأحرص على البقاء في إطار مسافة متساوية من كلّ تلك الشّخصيّات والنّوعيات، فكلّ إنسان يرى في نفسه جمالًا وفي طبائعه وسجاياه قد نختلف معها أو نتّفق.

وكم كنت أعجب من بعض اللّهجات كما يعجبون من لهجتي، وأراهم يقلّلون من قناعات أحملها لأنّها لا تشكّل لهم شيئًا، في حين تشكّل لي أُسسًا قامت عليها ثقافتي وتربيتي وتكويني، يومها كنتُ أرفض رفضًا باتًّا المساس بأيّ من تلك “المحرّمات”، وقد يصل الجدال لساعات ويتحوّل إلى خصام لمجرّد الحوم حولها، في حين أنّني بعد ذلك تغيّرت قناعتي بهذه المحرّمات طواعية، وعليه أصدقائي ـ طلّاب اليوم زملاء الغد ـ كونوا دومًا أكثر هدوءً وتقبّلًا للآخرين وأقلّ تزمّتًا، واعلموا أنّ محرّمات اليوم ” الاجتماعيّة ” قد تكون مباحات الغد، ومن تكرهون اليوم قد يكونون أحبّ النّاس إليكم في الغد، وتمثّلوا حديث نبيّكم ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ

أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا , وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا” وإلى لقاء آخر ومذكّرات ووصايا طالب جامعيّ.

اقرأ أيضًا

مكتبات إلكترونية عالمية مفتوحة مجانًا



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك