يوميات باش مهندسة (4) : بجانبي كرسي شاغر

10 يوليو , 2015

إن الانتقال للدراسة خارج مدينتك التي عشت فيها جل سنوات عمرك، يعد فرصة جديدة لاكتساب المهارات، بداية من رحلة السفر في حد ذاتها، فذلك الكرسي الشاغر بجانبك سيتحول إلى تجربة إنسانية قائمة بحد ذاتها، لأنك وعلى مدار ساعات سفرك ستتعلم الكثير، فذلك الكرسي قد يهديك من الخبرات والتجارب ما قد يفوق في بعض الأحيان ما تمنحه لك دراستك من معارف، فقد يعطيك ذلك الغريب الجالس بجوارك خلاصة تجربته التي دامت لسنين في ساعات قليلة وكما أن في مخالطة الناس والصبر عليهم أجراً عظيماً، في الكثير من الأحيان تكون الوحدة خيراً لك، فبعض الناس يتقن التخفي خلف حقائق لا تشبهه فيفسد عليك دنياك، وربما حتى آخرتك، في كل تجربه جيدة تمر عليك وجه آخر لتلك الصورة التي لن تكتمل إلا نهاية رحلتك الأخيرة، في كل شخص جديد تلتقيه، جانب آخر من جوانب النفس البشرية فبعضهم يسمو بك والبعض الآخر يجعلك تنزل إلى دركات لم تكن تتخيل نفسك يوماً أنك ستنزل بتلك الرحاب، أشخاص يهدون إلينا أخطاءهم لنتعلم منها وأشخاص آخرون يكونون هم أخطاءنا التي تعلمنا منها ونرسلها هدايا لأشخاص آخرين.

ولتجد نفسك تحمل كرسيك الشاغر معك طوال فترة غيابك عن البيت، فهو معك في إقامتك الجامعية – وهنا قد يتحول الكرسي إلى سرير زميلك فيها – فيكون فرصة للتحصيل الإضافي خارج الفصل إذا ما أحسنت استغلاله وقد يصبح مورداً للشر إذا ما لم تغلق الباب دونك، فهو  وكما سبق أن علمك يستطيع أيضا أن يؤلمك، من خلال التجارب التي ستعيشها داخل حيك الجامعي .

سيرافقك كرسيك أيضاً داخل الفصل، وهنا قد يكون عقبة في وجه حسن تحصيلك إذا ما انشغلت به عن الدرس المقدم، فيكون سبباً في خسارة كل ذلك التعب المبذول طوال الرحلة لذا يجب عليك أن تختار الجالس عليه بعناية، لأنك ستجد نفسك تنجر خلفه وتقلده فيما يفعل دون أدنى شعور منك بأنك فعلاً تغيرت، أو غيرت ضبط مؤشر البوصلة التي كانت دليلك إلى حيث أنت الآن طوال سنوات مضت.

ستجد نفسك طوال فترة رفقتك لكرسيك الشاغر ذلك محصوراً بين واقع يقيدك وأحلام ترفض أن تصغر لتكون على قدر واقعك … و أمل يتغذى عليك و ألم مزروع بأرض بور وستجد نفسك تصرخ بكل ما أوتيت من قوة لم أخلق لأكون عادياً .. لي بصمة إصبع تختلف عن بصماتكم … لي بصمة صوت مختلفة… وبصمة عين مختلفة كذلك … لماذا يجب أن أعيش واقعكم التعيس…. كلما أحصنت ذاتك من عدوى اليأس سيحاولون التسلل بين أوراقك كالطحالب سيحاولون كسر الأسوار التي لازلت تحميها … في محاولة لاختراق الذات والعبث فيها … ومع نهاية رحلتك ستشكر كرسيك الذي يكون على مدى سنوات دراستك قد علمك أن لا شيء يسقط من السماء إلا المطر … فلا تنتظر أن تهديك السماء مستقبلاً …. أو أن يتجسد مستقبلك في شخص يأتي ليهديك أياما و ليالي وردية، لا تجلس لتلعن الكون وأنت لم ترفع صوتك يوماً في وجه تلك الذات المقيتة التي تسكنك وترفض أن تسلمك لغير هذا الواقع الأكثر مقتاً … لا أقول لك هذا لأخيفك من رحلة دراستك بعيداً عن منزلك ولا لتعيش في الأحلام لتعود وقد حققت حلمك… دونما أن تتأثر بمن جلسوا بقربك في رحلة الوصول إليه لتجعله هو الواقع حقاً فلا أحد ممن مروا على ذلك الكرسي الشاغر بجانبك سيهديه لك.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك