‎فبعضُ القلوبِ لا تلين – قصة قصيرة

22 أبريل , 2017

‎عاد إلى صفّه، يغيبُ في داخلِه لدقائق، يحاولُ التواصلَ مع مَن حوله ببضع كلمات، يحاولون تجاهلَه مرارًا ويعاودُ المحاولةَ ثم يستسلم، يلتفتُ إلى هاتفِه بضعَ مرات، رغم السجل الممتلئ بالأسماء، رغم قائمة أصدقاء مكتظة لا مكالمات أو رسائل نصية، يكتفي بالنظرِ إلى الوقت، ينظر بعين البائس القانط، يتصفح صفحتَه الفارغة على الفيسبوك، يبدو الوقت بطيئًا، لكنّه اعتاد الوحدة.

الوحدة تشكل عنده الجزء الأكبر من نشاطه اليومي، يجلسُ في الصف الأول قبل أن تبدأ المحاضرةُ بربع ساعة، يخافُ أن يتأخّر، يراقبُ أعمالَ الحفر في الشارع المقابل، تمتلئُ القاعة بالطلبةِ بعد نصف ساعة من الزمن، يدخلُ المدرس – هيكل ضخم تسيل منه نظرات الكِبر، تنبعث من سحنته الدكتاتورية والبطش – وقبل أن يرتاح على كرسيّه، يرفعُ جسدَه الفارع إلى الشابّ الجالس على الكرسيّ الأماميّ، ما هذا الأداءُ السيءُ في الامتحانِ الأول، ألا عقل لك؟ ألا يجدي معك التعليم؟

يتفاجأ الشابّ، يذكر أنّه لم يتوانَ لحظةً في الدراسة، بل درس كثيرًا حتى أتعبته يداه مِن الكتابة، وأصابه الألم في الرقبة والظهر وجميعِ المفاصل، يصرُخ الأستاذ بكلماتٍ لم يفهمها، فتظاهرَ الشابّ بالبرود، لم تعد مثل هذه المواقف تأخذ نصيبًا من سمعه أو تفكيره، اتّخذ شكلَ انحناءة الظهر، والاختفاء في كرسيّه الأمامي، لعلّ الأستاذ أصرَّ على فكرة أنه وُلد مدلّلٌ وبدأ صوتُه بالارتفاع رويدًا رويدًا، حتى أتعبَه جسدُه المهترئ فجلس محاولًا تهدئة نفسِه.


‎انتهى الدرسُ كما بدأ؛ بالصراخ، خرج الشاب آخِرًا، محاولًا أن يجمعَ أغراضَه الكثيرة، مِن أقلام ودفاتر، أخذ يتفحّص أسفلَ الكرسيّ لعلّه نسي شيئًا، ممحاة، مبراة، مسطرة، أقصوصة ورق خطّ فيها درسه، خرجَ بهدوء، أعاد المحاولةَ في اليوم التالي، درس كثيرًا محاوِلًا جمْعَ كلِّ هذه المعلومات في عقله، رغم بُطء استيعابِه، رغم قِصر ذاكرته، رغم ضعفِ عِظام جسده النحيل، رغم ذهنه الذي يسرح به خارج الواقع، لم يستسلِم.

جلس على مكتبِه كما فعل في سنوات الدراسة السابقة، ما زال يحاولُ على مهْل، يحاول أن يكون طالبًا تقليديًا مثل زملائه، ليأتيَ الأستاذُ في أحد المرات يحاولُ أن يخفِّف مِن حِمله، فيستغني عن الشاب، يقول له مع ابتسامة منمّقة ونظرة قوية: “أرجوك أسقط هذه المادة”، هكذا أزاحه عن كاهله، وأراح نفسَه منه، غمامة وزالت، وصخرة أُزيحت من طريقه.

 
‎لم ولن يحاول أن يسهِّل له الامتحان، ولن يحاول أن يجعلَه سعيدًا في درسِه، ولن يحاول أن يجِد له مجموعة ترغب في وجوده، ولن يحاول أن يساعدَه ببضع مسائلَ إضافية، لا وقت لديه لذلك.

 
‎عاد الأستاذ إلى البيت سعيدًا، مُزيحًا حملًا ثقيلًا عن نفسِه، فقد أجبر ذلك الطالبَ الضعيف أن يرسب في مادّته، استعاد شعورَه الإيجابيّ بسرعة كبيرة، وكأنه انتشاء الفوز وعظمة وكبرياء النصر! وجلس يترأَّس طاولة الطعام وزوجتُه تبادِله الحديث، بعد بضع لقيمات سدت شيئًا من معدته التي تشبه الهاوية قالت له الزوجة:

“لقد طَردتِ المدرسةُ ابنَك بسببِ ضعفه الشديد”، أساتذة المدرسة لم يرغبوا به، فهو بحاجةٍ إلى مساعدةٍ إضافيّة وهُم لا يرغبون بمساعدته، إن عقله لا يرتقي أن يكون في مستوى طالب مدرسي عادي.
‎توقّف عنِ الطعام، سقطتِ المِلعقةُ مِن يده، أهذا يمكن أن يحصل مع ابني؟! تذكّر الشابّ الذي قسا عليهِ وأجبرَه على أن يسقط المادة بسبب جشعه، وكسلِه وفساده، وعدمِ رغبتِه بالمساعدة.
‎أرسلَتِ المدرسةُ كتابًا خطيًا لابنه، تعتذِر عن عدم قَبول الطالبِ للسّنة الدراسيّة القادِمة، بسببِ حاجةِ الطّالب إلى مساعدةٍ إضافيّة، لا توفّرها المدرسة.
‎أسقط الشابّ الفصل الدراسي في جامعته وتركَ الدِّراسة، حاولَ الأستاذُ أن يتّصل به أو يتواصلَ معه لكن بِلا جدوى، كما حاولَ أن يزورَ عدّة مدارسَ ليشرحَ لهم وضْعَ ابنِه وحاجتَه إلى مساعدةٍ إضافيّة، وخاب رجاؤه.
‎فبعضُ القلوبِ لا تلين، وبعضُ اللِّين لا ينفَعُ بعدَ حِين.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك