أساتذة الجيل الرابع

5 يوليو , 2015

العالم يتغير من حولنا، حقيقة ندركها ونؤمن بها، فنحن نعيش في عصر الإنسان (الميديائي)، أو الرقمي، عصر أصبح فيه جهاز الحاسوب، والهاتف الذكي امتدادًا لجسم الإنسان، وهذا ما يلقي على عاتق الأساتذة مهام تاريخية كبرى، كوسيط يساهم في التنشئة الاجتماعية، ويساهم في التربية وفق ما تلقاه من تكوين وعدة بيداغوجيا، فهو مسؤول عن إعداد الأجيال الناشئة وإمدادهم بآليات التعامل مع وضعيات الحياة المختلفة. فيغدو الأستاذ ذلك الإنسان الراقي برسالته، الحامل للمعنى، والخلوق بأخلاقية المهنة. ولكن في خضم هذه المستجدات هل يستطيع الأستاذ أن يقوم بمهامه في أحسن وجه؟
الأستاذ الذي هو مطالب بالتفاني والإخلاص في العمل وفق مقتضيات العصر، وهذا ضروري، لكن واقع الحال مغاير، هذا ما يجلنا نطرح سؤال كلاسيكي، هو كالتالي: هل الأستاذ حقًا يعيد إنتاج نفس البنيات الاجتماعية؟ هل حقًا يقوم بإنزال وتطبيق كل ما تلقته أم أنه يرجح إلى الارتجالية و الخضوع لما هو كائن؟ أسئلة وأخرى تؤرقنا ونحن نتناول هذا الموضوع.
بما أن الأستاذ سبق له أن تتلمذ على يد مجموعة من الأساتذة، وفق مناهج و نظريات تختلف عن ما هو متعارف به الآن، فهل يحق لنا أن نوظف مفهوم “النكوص” بإعتبار أن الأستاذ يعود إلى مرحلة عمرية من حياته، فيعمل على تقليد الأستاذ الذي علمه وأبهره بأسلوبه، ويعيد إنتاج نفس السلوك و المواقف تحت طائلة “تعليم زمان”، فيتنكر بذلك لمقتضيات العصر الحاضر، فالتدريس يحتاج إلى إبداع وليس التقليد، حتى نحرر في المتعلمين روح الإبداع والانفتاح، إضافة إلى توظيف الوسائل المعلوماتية في التدريس حتي لا يمل المتعلم، وفي نفس الوقت نمده بآليات يدرك من خلالها كيف التعامل مع وسائل الاتصال، لأننا نجد في أخر المطاف أن الإنسان مشرع منفتح على العالم.
من هذا المنطلق يحق لنا أن نتحدث عن إعادة الإنتاج، بإعتبار هذا المفهوم له وزنه، لكن ماذا يُعِيُد إنتاجه هذا الأستاذ؟ وهل هناك إنتاج حتى نتحدث عن إعادة الإنتاج؟

إن هذا الموضوع يجعلنا ندخل إلى قاعة الدرس، ونلامس العلاقة التفاعلية بين الأستاذ والمتعلم.
بما أن الأساتذة الشباب الذين يتميزون بنوع من الحماس، يحاولون ممارسة وتطبيق وتجريب أحدث النظريات التربوية التي تلقوها في مراكز التكوين، ومع مرور الوقت والاحتكاك بواقع التدريس سرعان ما تتغير أفكارهم ومواقفهم. فكل ما تلقوه من دروس خلال سنوات الدراسة الجامعة، أو خلال التدريب الميدان، وكل ما درسوا من تشريعات تربوية، أصبح مطلبًا مثاليًا يندرج في خانة ما يجب أن يكون، فيلاحظ شرخ واضح فيما هو كائن. فيعمل بذلك على إعادة إنتاج نفس البنيات الاجتماعية.
هناك مجموعة الأمور التي تتفاعل لتؤدي إلى النتيجة السابقة، منها ما هو ذاتي وما هو موضوعي، من بينها مبادئ الجماعة وأفكارها وثقافتها، بفعل الضغط الذي تمارسه هذه الجماعة المرجعية. فمسايرة الجماعة تتطلب من الفرد التخلي عن مبادئه وسلوكه ومعتقداته، واستبدالها بأخرى بديلة يفضلها أشخاص آخرون، حتى لو كانت الأفكار والمبادئ البديلة خاطئة أو متخلفة؛ كشرط ضروري للاستجابة وفقًا لعادات الجماعة ومعاييرها، كما يقول أحد الباحثين في هذا المجال.
هذا ما يجعل بعض الأساتذة يلجؤون إلى حلول سريعة، كالاستنجاد بالعنف والضرب، ويتضرعون بمجموعة من الأعذار التي تخفي نوعًا من الجهل ومصادرة حقوق الطفولة، وعدم بذل مجهود من أجل تفادي أنصاف الحلول.
من جهة أخرى كيف يمكن لإنسان أن ينتج الجودة المنشودة يراعي فيها روح العصر، ويشتغل في ظروف صعبة جدًا تنعدم فيها الوسائل التكنولوجيا، لنتيقن أننا نعيش شرخًا في المجتمع، وهذا ما يفسر تخلي الأساتذة الشباب عن بعض أفكارهم، فيلجؤون إلى التقليد.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك