“أشعر أنك ضنًى لي، وأعلم أنك لا تبادلينني الشعور ذاته”.. هكذا كتبت المعلمة لصديقتي إسراء

23 أبريل , 2016

ذات مساء وأثناء تصفحي لموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” وأتابع “إيفنت”  “وجه كلمة لأستاذك في ثانوي عام” ..وجه كلمة لأستاذك في ثانوي عام

وكنت أستغرب كثرة المنشورات المسيئة للمدرسين فتجد من يدخل “الإيفنت” يسب ويشتم في معلميه ومعظم المنشورات إساءة للمعلمين وتحدي لهم أمثلة “ياريت متحطوش امتحانات صعبه عشان اقسم بالله عايزين نعدى والله واقسم بالله والله”، وغيرها من المنشورات التي يوجهونها لمعلميهم التي تحمل من الندية والتحدي والإساء وغيرها؛ حتى قابلت أثناء تصفحي منشور لصديقتي إسراء مشاركة في “الإيفنت” ..

اندهشت وتعجبت لروعة ما قرأته عيناي في كلامها وحكيها، عن معلمتها منشور يفيض بالمشاعر والذي خرج من قلبها نفذ إلى قلبي مباشرة ..

بالظبط المنشور كما نشرته على صفحة “الإيفنت .. وجه كلمة لأستاذك في ثانوي عام” كالتالي..

“كانت سيدةً سبعينية ، غزا الشيبُ شعرَ رأسها القصير، تتوكأ على عكاز خشبي يعينها على المشي، في حضرتها تشعرُ بهيبةٍ تلقائية ممزوجة بقدرٍ كبير من الاحترام، احترام السن، والعلم معًا.

كانت وحيدة، مصرية، في بلد غير بلدها الذي نشأت فيه، تعاني الغربة وفقدان الرفيق، أرملة، لم ترزق بأبناء، وكانت تسكن مع أخيها، كانت أقدم معلمات المدرسة، وأكبرهن سنًا، لكنني لم أكن أحبها، ولم يكن حالها هذا يستثير أي عاطفة مني تجاهها.

تولت تصحيح مواضيع التعبير الخاصة بنا مذ كنا في الصف الثاني المتوسط وحتى الثالث الثانوي . كانت – وعلى غير عادة المعلمات الأخريات – تدقق مليًا في كل جملة وكل كلمة، وكثيرًا ما كانت تطلب منا إعادة كتابة الموضوع من أجل علامة ترقيم خاطئة، أو همزة قطع كُتبت وصلًا!

كنت رغم حبي للغة العربية أنزعج من دقتها هذه أيما انزعاج، وأشعر أنها تقسو علينا، أذكر أنها في إحدى المرات ردت علي موضوع التعبير الخاص بي وطلبت مني إعادة كتابته أكثر من خمس مرات، لأسباب كانت – من وجهة نظري الضيقة حينها – بسيطة.

لم أكن أحبها ، ولا أدري لماذا ، كان شعورًا عفويًا ،لكنه لم يكن ينفي الاحترام، كنت فتاة متمردة وعنيدة، وكثيرًا ما كنت أدخل معها في مشادات كلامية لاختلافنا على معنى كلمة ما أو إعراب أخرى، ولا أدري كيف كان لفتاة صعلوكة مثلي أن تجادل من في مثل علمها!

في آخر عام لي بالمدرسة، طلبت منها أن تكتب لي شيئًا للذكرى، فكتبت كلمات تفيض حبًا وحنانا عجيبين، وعتابًا أيضًا وإن لم يكن تصريحًا

“أشعر أنك ضنًى لي ، وأعلم أنك لا تبادلينني الشعور ذاته”

كان هذا مما كتبت..

ولما عجبت من كلامها، أكد لي كل من حولي أنها تعاملني بصورة مختلفة، كانت ترى فيّ ابنتها التي لم تلدها، لكنني لم أكن أشعر بذلك، كنت أعتقد بأنها تكرهني هي الأخرى، كنت فتاة غبية ضيقة الأفق عديمة المشاعر.

لم أرَ الأستاذة (مفيدة) بعد ذلك اليوم، انتَقلَت إلى مدرسة جديدة، لم يتسن لي توديعها ولم تتح لي الفرصة للاعتذار منها، كانت المرة الأولى التي أشعر فيها بأنني إنسانة قاسية!

أ. مفيدة؛ ابنتك التي تحبين كبرت، وصارت على أعتاب التخرج .

أصبحت تشبهك ، تستفزها الفاصلة في غير محلها، ويثير اشمئزازها عدم تنقيط التاء المربوطة.

ابنتك كبرت، وبات الآخرون يلجؤون إليها لتصحيح أخطائهم اللغوية!

كل هذا بفضل الله أولًا ثم بفضلك، وحسن تربيتك وتعليمك.

أ. مفيدة؛ تقبلي اعتذار فتاة مدللة غبية لا تحسن التعبير عن نفسها .

أرجو أن تكوني بصحة جيدة.

أحبك.

أنهت إسراء  حكيها عن معلمتها بكلمة “أحبك” بعد فراق معلمتها بأعوام أدركت وهي على أعتاب التخرج من الجامعة قيمة معلمتها في الصف الثاني المتوسط  .. ماذا لو تفكرنا قليلًا في أن نشكر معلمينا وندرك قيمتهم في وجودهم ويمكننا القياس على ذلك كل شيء في حياتنا .. أن ندرك قيمة صديق غالي بعد فقدانه، أن نندم على تمرد على والدينا، أن نقسوا على فلان وحين ندرك خطأنا يكون راحلاً عن دنيانا.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك