إضاءات تنبيهية على تساؤلات دراسية (1)

21 مارس , 2015

المذاكرة: الوقت العصيب الذي يسبق وقت الامتحان! وبقدر ما تتطاير الساعات في لجنة الامتحان، حتى ليحَسَب المرء أنها ثوان مرت، بقدر ما يثقل وقت المذاكرة على النفس، خاصة لمن يراكمون المواد جُلَّها أو كلها للأيام الأخيرة. فتتحول شهور يفترض أنها شهور زرع وحصاد، إلى جحيم لا يطاق، يشيب لهوله الولدان والآباء على حد سواء !

ورَغم كثرة ما أُلَّف ونُقِل في مجال الدراسة وتنظيم الوقت، يظل ذلك الفن – فن المذاكرة – عسير الاكتساب عند كثير من الطلبة، حتى سَلَّموا بأنه ابتلاء لابد منه كل عام، إلى أن يجعل الله لهم من مراحل التعليم فرجا ومخرجا! لذلك كانت هذه السطور التالية، محاولة متواضعة لمشاركة أحبائي الدارسين والدارسات، مما قرأت وجربت من طرق ووسائل للدراسة، في صورة أسئلة وإجابات، لتقديــم حل عمليّ من واقع حياتيّ، أسأل الله أن ينتفع به القراء .

ما هي أنسب الأوقات للمذاكرة؟

كن مَرِنا. فأنسب الأوقات تختلف باختلاف الأفراد، لكن القاعدة العامة هي الوقت الذي تشعر فيه بإنتباه عقلي واستعداد نفسي. وفي الغالب يعرف كل منا لنفسه أوقاتاً معينة، يكون فيها قادرا على التركيز والحفظ والدراسة. وقلت “أوقاتاً”، وليس “وقتا”، لأنني – فيما جربت – وجدت أن المرء قد تأتي عليه أيام، بالذات تلك التي تحتشد فيها قوى الدراسة، قد لا يتمكن من التركيز إذا جلس للدراسة أكثر من ساعة مثلاً، فيصاب بالإحباط حين يرى أخاه أو صاحبه يستطيع التركيز والاستمرار أكثر من ذلك. ولكن ما يمنع أن تكون الثلاث أو الأربع ساعات موزعة على طول اليوم، حسْب نشاط المرء أو فتوره؟ بدل أن يفرضها الطالب على نفسه فرضاً “ككتلة” واحدة، فإما أن يرابض على مكتبه عدة ساعات متصلة، وإلا فلا!

كم من الوقت ينبغي أن أظل لاصقاً بالكتب؟!

وقت أن كنا تلامذة، كانت مقارنة التفضيل بين الأوائل تعتمد على من يدرس ساعات أطول، ويصبر على مجالسة الكتاب أكثر. حتى إذا كَبِرنا، وانتشرت كتب تنظيم الوقت، وتخفيف الأعباء، والاستمتاع بالحياة، انتشر معها الاعتقاد بأنك كلما قللت ساعات الدراسة، ورَفَّهَت عن نفسك، وأرحت عقلك، كلما ازدادت سرعة تحصيلك، وجودة حفظك. والحق أن كلا الظنين لا يخلو من صواب، وقد جربت كليهما. ويظل اتباع هذا أو ذاك نسبياً، ومعتمداً على الطالب نفسه، خاصة لو كان حديثنا عن الفترة التي تسبق الامتحان.

صحيح أن الأصح للبدن والعقل والاستيعاب والأداء عدم الضغط المتواصل على الأعصاب بالقلق، وعلى المخ بكثرة التعبئة والتسليح بالمعلومات حتى السويعات الأخيرة، لكن يظل الجانب النفسي للطالب عائقاً أمام الالتفات لهذه النصيحة. خاصة عند من تجتاحهم حُمَّى الشعور بالذنب للتقصير طوال العام، أو آخرين ممن يصابون بحمى التفوق الساحق، فهم في سباق ماحق مع أقرانهم لاختزان أدق التفاصيل.

والقاعدة التي يمكن أن أُثْبِتَها هنا مطمئنة هي: ليس هناك أبداً عدد محدد أو حد معين للدراسة، وليست كثرة اللصوق أو قلته هي مفتاحك للنجاح أو التفوق! لكن المحك أولا وأخيراً هو قدرتك على الاستيعاب والتركيز، دون ضغط عصبي، أو حمى عقلية. وقد وجدت أنّ أكثر ما يسبب المرض قبيل الامتحان، هي تلك الضغوط النفسية، لا عدد الساعات المكتبية. فالأُولى هي التي تحرم الطالب النوم الهادئ والطعام الهنيء، وهما أكثر ما يحتاجه الطالب في تلك الفترة .

لذا ما أنصح به هو: لا تقلق، ولا تتوتر، وادرس طالما كنت قادراً على ذلك، في غير تَعَسف ولا استهتار. فأن تجلس ساعة في تركيز، خير من عشرين ساعة، أغلبها بين غفوة وسرحان. وكذلك، لا أنصح أن تترك الدراسة، وإن مضت تلك الساعة “المقررة”، طالما لازلت قادراً على الاستمرار، وفيك نشاط كاف. خذ راحة يسيرة بإعداد كوب من الشاي أو القهوة، أو حتى شرب كوب من الماء، أو قراءة أذكار، أو صلاة، أو أي عمل يسير في بضع دقائق، لا يشتت فكرك المركز كلية. لأن خروجك من فورة النشاط إلى بوادر الراحة، سيصَعِّب عليك العودة لسابق تركيزك، ويفتح باب السرحان من بعد الانتباه!

هل أبدأ بالمواد الصعبة، أم السهلة؟

يأتي في المرتبة الثانية، توزيع المواد على أوقات النشاط. وحديثي هنا ليس عن أيام الدراسة العادية، التي يُطلب فيها عدد من الواجبات لعدد من المواد، ويَستلزِم إتمامها كلها استعدادا لليوم التالي. ولكنني أَخُصُّ بالكلام فترة ما قبل الامتحان، حين يخصَّص لكل مادة عدد من الأيام أو الساعات. والمواد تنحصر فـــــــي قسمين غالباً: قسم يسهل استيعابه وحفظه، وقسم يحتاج وقتاً أطول ونشاطاً أعلى. وما إذا كانت المواد العملية ضمن التصنيف الأول، والنظرية ضمن الثاني، أو العكس، فهو عائد كلية إلى الطالب. لكن هناك قاعدتين عامتين .

الأولى: إذا كنتَ ممن يواظبون على الدراسة طَوال العام، فلا يبقى لك سوى المراجعة. بإمكانك حينها العمل بنصيحة البدء بالأسهل الذي سيُنجَز أسرع، ليكون لك حافزاً وطاقة للتفرغ لما بعده، مما يستلزم وقتا أطول. مع مراعاة أنك إذا كنت ممن يكثُرِون السرحان، فالأفضل البدء بالأثقل، لأن إنهاء الأسهل بسرعة، سيساهم في إخلاء الجو لأحلام اليقظة، حين تشعر أن الوقت متسع أمامك. وهذه نصيحة مجرب!

والثانية: إذا كنت ممن يُرجِئون الدراسة إلى أواخر العام، فالأنسب أن تبدأ بالأثقل. لأنه لابد من قراءة أولية للفَهم، بخلاف قراءة الحفظ والمراجعة. فإذا أنهيت القراءات الأولية للمواد الأثقل، يَحْسُن أن تنتقل لحفظ الأسهل مباشرة، لأن ذلك سيعطيك دافعاً، ويوفر لعقلك وقتاً للاستيعاب، فتعود للمواد الأثقل دون ملل .
وبشكل عام، ينبغي الفصل بوقت كاف، بين قراءات الفَهم، والبدء في الحفظ، ثم المراجعة. لذلك أنصح بألا تُهمِل المواد بالكلية طوال العام، إذ يكون من الأفضل والأيسر لك المتابعة بالفهم والقراءة، فذلك يوفر الكثير من الوقت، وييسر الحفظ كذلك.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك