“التغذية الراجعة!” الدم الحسّي للمتعلم!

25 يونيو , 2014

تعد “التغذية الراجعة” من أقدم الأساليب التعليمية بأنواع مختلفة ومتعددة باختلاف أغراضها ومضمونها ووفقاً لما يتطلبه الهدف التعليمي، وتمتلك أساليب التغذية الراجعة أسلوبا مرنا في كل أنواعها وتسعى لكي تكون الاختبارات والمحاضرات فاعلة بصورة علمية وموضوعية، وتستخدم هذه الوسائل كل ما يمكن توفيره من تصميم اختبارات جيدة ودقيقة وموضوعية تتناسب مع قدرات الطلبة الفعلية وطريقة التدريس ومحتوى المنهاج والوسائل التعليمية المستخدمة

. هذا، وتكون غالبا طرق الاختبارات فيها وفق أدوات وطرق تختلف بمجملها عن استخدام الطرق الشائعة في اغلب المدارس والجامعات قاطبة، وتقوم هذه الطريقة التعليمية بعملية التعليم وفق مقاييس تحصر الخلل وتعالجه وترسم بموجبها قياس النجاح أو الفشل للطلاب لحظة اختبارهم وتخبرهم بنقطة ضعفهم ومكامن قوتهم لكي يعالجوا الأول ويزيدوا من قوة الثاني!، ومن المؤسف القول بان هذه الأدوات لا تستخدم في الكثير من المدراس والجامعات العراقية، وحتى لو استخدمها البعض فانه لن يستخدمها بالدقة والموضوعية المخصصة لها وفق المنهج المرسوم.

” من خلال اطلاعى على بحث معمق ومطول أعدته الباحثة العراقية “ابتهاج خضير عباس” والذي قدمته لجامعة بغداد في عام 2005 لتنال على أثره شهادة الدكتوراه؛ حمل عنوان “أثر التغذية الراجعة الفورية والمؤجلة في التحصيل الدراسي” قمت بإعداد تقريرين وفق ما جاء في محتوى البحث؛ التقرير الأول هو ما سيتناوله هذا الموضوع، اما التقرير الثاني فهو عن “التعليم المبرمج”.

مفهوم التغذية الراجعة وكما توضح بعض الدراسات انه اشتق من أحد العلوم التطبيقية والهندسية التي تهتم بـ “ميكانزمية الضبط”، ثم انتقل استعماله الى ميادين التربية وعلم النفس، وان بعض العلماء كما توضح بعض الدراسات يخلطون بين مفهوم التغذية الراجعة ومفهوم معرفة النتائج، والذي درجت كتب علم النفس على استعماله لتعني به التعزيز او المكافأة.

و لأن معرفة النتائج تعمل عمل المكافأة، وتعمل كباعث لبذل المزيد من الجهد والنشاط. إذ أن اصطلاح معرفة النتائج لم يكن بالضرورة يعني استفادة الفرد من هذه المعرفة في تعديل سلوكه، وتوجهيه الوجهة الصحيحة، بل كان اصطلاحاً محدوداً في معناه ومضمونه بعض الشيء. ومن هذا المنطلق جاء اصطلاح لتغذية الراجعة كبديل عن معرفة النتائج، والذي يعتبر أكثر شمولاً، إذ يعني بالإضافة الى معرفة النتائج أمور أساسية أخرى أهمها استعمال هذه المعرفة في إجراء التحسينات المطلوبة في العملية التربوية. هذا وتمثل التغذية الراجعة روح النظم ذات الضبط الجزئي والاساس في لتطوير المستمر للنظام التربوي تعرف كما وصفها أحد الباحثين في المجال التعليمي بأنها ” الدم الحسّي للمتعلم”.

ويمكن إجمال أهمية التغذية الراجعة في عملية التعلم حسب ما جاءت به الدراسة على النحو الآتي:

أ ـ تعمل التغذية على اعلام المتعلم بنتيجة تعلمه، سواء كانت صحيحة أو خطأ، مما يقلل القلق والتوتر بين تحصيل المتعلم في حالة ضعف معرفته بنتائج تعلمه.

ب ـ تعزز نشاط المتعلم وتشجعه على الاستمرار في عملية التعلم مدة أطول مما هي عليه، وبهذا تساعد على تدعيم العملية التعلمية والتعليمية.

ج ـ معرفة المتعلم إجابته وسبب الخطأ عندهُ يقنعه بأنه المسؤول عن هذا الخطأ، مما يؤدي الى مضاعفة جهوده لتجاوز الخطأ.

د ـ تصحيح الاجابة غير الصحيحة للمتعلم تؤدي الى التخلص منها، وإحلال الإجابة الصحيحة محلها.

هـ ـ استعمال التغذية الراجعة من شأنها تنشيط عملية التعلم، وزيادة مستوى الدافعية للتعلم، وتجعل كلا من المعلمين والمتعلمين في حركة مستمرة لتحقيق الاهداف المنشودة.

و ـ تبين للمتعلم مكانه من الاهداف السلوكية التي حققها غيره من أقرانه في صفه، والتي لم يحققوها بعد.

ز ـ تعمل التغذية الراجعة على تزويد المتعلم بمعلومات زائدة ومراجع مختلفة مما يؤدي الى تقوية عملية التعلم وتدعيمه وإثرائها.

 وتتأكد أهمية التغذية الراجعة لأنها تتخلل العملية التربوية من خلال ثلاثة محاور أساسية هي المنهج والمدرس والطالب، ويتم الترابط بينها بما يحقق أهداف عملية التعلم، فلابد من تقويم المناهج الدراسية بصورة مستمرة بوسائل مختلفة منها التغذية الراجعة، من خلال آراء المدرسين ونتائج الطلبة والبحوث التي تجري حول المناهج ومعرفة نقاط القوة والضعف والعمل على معالجتها. وهذا ينطبق على محوري المدرس والطالب، فللتغذية الراجعة أثر كبير في مساعدة المدرس على التكيف لاحتياجات الطلبة، وفي الوقت نفسه تمكن الطلبة من معرفة مستواهم الدراسي وتكون إما مؤجلة أو فورية.

فالطالب متقصد في التعليم، وهو يمتلك مستودعاً داخلياً لخزن عملياته وممارساته التي يقوم بها داخل الصف، والمدرس متقصد في إكساب الخبرات التعليمية المختلفة لطلبة لتحقيق مقاصده وأهدافه في تعليم الطلبة، واختيار ما يناسبهم في كل موقف تعليمي. إن استعمال التغذية الراجعة بهذه الطريقة في التدريس يمكن ان تساعد على ديمومة النظام التعليمي لتحقيق متطلبات العملية التربوية واحتياجاتها من حيث الوسائل والاساليب.

ولكي تكون التغذية الراجعة ذات قيمة قصوى، يتوجب على المعلم ان يقوم بمجموعة من الإجراءات، كما اشار أحد الباحثين والتي من بينها:

1 ـ إعطاء اختبارات سريعة وقصيرة في نهاية كل درس لغرض ملاحظة مدى تحقيق الاهداف الخاصة بذلك الموضوع، ومدى استيعاب الطلبة للمفاهيم الموجودة فيه.

2 ـ إرجاع الاختبارات المصححة ذاتها الى الطلبة، وعدم الاقتصار على اعطاء الدرجات فقط لأن الحصول على الدرجة لا يعطي تغذية راجعة حقيقية.

3 ـ الاشارة الى الاخطاء وأسس تصحيح كل اختبار على نحو واضح، لأن التغذية الراجعة تستند الى الفجوة بين ما يجب أن يكون وما هو كائن فعلاً.

ولقد افترض علماء النفس ان للتغذية الراجعة ثلاث خصائص، أو وظائف تقوم بها، وهي على النحو الآتي:

  • الخاصية التعزيزية: تشكل هذه الخاصية محوراً أساسياً في الدور الوظيفي للتغذية الراجعة، إذ انها تشكل تشجيعاً وإثابة، وتثبيتاً للاستجابة الصحيحة، ولقد ركز العالم سكنر على هذه الخاصية من خلال التغذية الراجعة الفورية في التعليم المبرمج، إذ يرى إنّ اخبار الفرد بصحة استجابته يعززه، ويزيد احتمال تكرار الاستجابة الصحيحة فيما بعد.
  • الخاصية الدافعية: تشكل هذه الخاصية محوراً مهماً، إذ تسهم التغذية الراجعة في إثارة دافعية المتعلم للتعلم والانجاز والإداء المتقن، مما يعني جعل المتعلم يستمتع بعملية التعلم، ويقبل عليها بشوق، ويسهم في النقاش الصفي، وهذا يؤدي الى تعديل سلوك المتعلم وتصويته، ومساعدته على تبني توجهاً نحو التعلم، بدلاً من التوجه نحو الاداء وتحصيل الدرجات.
  • الخاصية الموجبة: أنها تعمل على توجيه الفرد نحو ادائه، فتبين له الاداء المتقن فيثبته، والاداء غير المتقن فيحذفه بحيث تزيد من مستوى انتباه المتعلم الى المظاهر المهمة للمهارة المراد تعلمها، لذلك فهي تعمل على تثبيت المعاني والارتباطات المرغوبة فيها، وتصحح الاخطاء، وتعدل الفهم الخاطئ وتسهم في مساعدة المتعلم على تكرار السلوك الذي أدى الى نتائج مرغوبة وهذا يزيد من ثقة المتعلم بنفسه وبنتاجاته التعليمية وتدفعه لتركيز جهوده وانتباهه الى المهمة التعليمية التي تحتاج الى تعديل، مما يزيد من احتفاظه بالمادة التعليمية لفترة طويلة.

وتوضح الدراسة ان للتغذية الراجعة أنماط وصور متعددة، يمكن أن تكون في غاية السهولة من نوع “نعم” أو “لا” أو أكثر تعقيداً كتقديم معلومات تصحيحية للاستجابات، وقد تكون من النمط الذي تنم من خلاله إضافة معلومات جديدة للاستجابات، ويمكن أن تزداد العملية توسعاً لتقترب من العملية التعليمية بحد ذاتها!

عُرّفت “التغذية الراجعة الفورية” بأنها التغذية التي تتصل بالسلوك الملاحظ او تعقبه مباشرة، بحيث يتم تزويد المتعلم بمعلومات أو توجيهات أو إرشادات تلتزم التعزيز أو تطوير أو تصحيح هذا السلوك. أما “التغذية الراجعة المؤجلة” فأنها تعني تزويد المتعلم بمعلومات عن سير أدائه في الاختبار بعد الإجابة عنه بمدة زمنية لا تقل عن يوم واحد. هذا وقد ركزت الباحثة على هذا الجانب في بحثها إذ إن هذين النمطين من التغذية الراجعة، قد لاقا جدالاً ووجهات نظر عديدة من الباحثين.

وفي هذا المجال أبدى اصحاب النظريات السلوكية بأن “التعلم يكون أفضل عندما تتبع الاستجابة الصحيحة تعزيزاً، أو تغذية راجعة فورية”. هذا وتقبل أغلب التربويين بمبدأ استعمال التغذية الراجعة الفورية للمعلومات، ومعرفة النتائج عاملاً اساسياً في استيفاء لمعلومات. وأن اسلوب التغذية الراجعة يشبه اسلوب المراجعة الي يستعمله المدرس في نهاية المادة التي تتم بغية معرفة مدى فهم الطلبة للمادة وازالة الخطأ إن وجد.

ويشير أحد الباحثين عند استعراض نتائج الدراسات التي اجريت في موضوع زمن تقديم التغذية الراجعة الى ان المتعلمين يجدون صعوبة في استعمال المعلومات التي تعطى لهم عن فهمه قاموا بإنجازها قبل فترة من الزمن. وهو بهذا يؤكد أهمية التغذية الراجعة الفورية للمتعلمين.

ومن الباحثين من يرون أن التغذية الراجعة المؤجلة تؤدي الى تعلم أفضل واستبقاء أكبر من التغذية الراجعة الفورية. إذ باستعمال التغذية الراجعة المؤجلة قد يفهم الطلبة اسباب اخطائهم أكثر من التغذية الراجعة الفورية بسبب نسيان الاجابات الخاطئة عند تأجيل التغذية الراجعة، وبذلك سوف يكون تداخل أقل عند تعلم الاستجابات الصحيحة بفعل التغذية الراجعة. اما الطلبة الذين يتلقون تغذية راجعة فورية فأنهم يعانون من تداخل فعّال جراء الإجابات الخاطئة التي قاموا بأعطائها مع الإجابات الصحيحة التي يتلقونها فوراً.

وتوضح الدراسة ان المهمات التي يسهل الاحتفاظ بمعلوماتها قد يكون من المفيد استعمال التغذية الراجعة المؤجلة لساعات عدة، أو حتى لعدة ايام، لأنها تجبر المتعلم على إعادة الاسئلة في فكره، ويمكن القول إن استعمال التغذية الراجعة المؤجلة امر ممكن، إذ تذكر المتعلم المهمة التي قام بها.

هذا وحين يتعامل المتعلمون مع حقائق ذوات خصائص واقعية وسهلة يكون اداؤهم وتعلمهم اللاحق أفضل بتقديم تغذية راجعة فورية. اما إذا تعامل المتعلمون مع حقائق علمية ذات معنى ومعقدة، فيكون اداؤهم وتعلمهم اللاحق أفضل بتقديم تغذية راجعة مؤجلة.  ويتضح مما سبق عرضه إنّ الاختلاف بين آراء الباحثين في زمن تقديم التغذية الراجعة يرجع الى عوامل عدة منها: نوعية المحتوى الدراسي، وعمليات التذكر والنسيان عند المتعلمين.

طالب في الجامعة الأهلية

تخصص هندسة حاسوب
السنة الدراسيّة الرابعة

 


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك