التمييز العنصري مغلفًا بسلوفان!

1 مايو , 2018

جاءني ابني بنتائج الاختبار التي حصل عليها بمنتصف السنة الدراسية.

كان فرِحًا مع أن ترتيبه لم يكن الأول، وفرحتُ به، لأنه لا يهمني ترتيبه بمناهج دراسية تعتمد الحفظ دون الفهم.

أخبرني بأنَّ المعلمة قد قامت بتكريم المتفوقين الأوائل، وأغدقت عليهم بالهدايا والاهتمام والحب الكبير، وقد ناله شرف التكريم أيضًا، فقد كان ترتيبه الثاني، إلا أنَّ الأوائل كان لهم شأنٌ آخر، أحسست بالغيرة المتآكلة تخرج من بين ثنايا أحرفه وهو يتصنع سعادةً كان من حقه الحصول عليها.

وفي جزء من الاحتفال قامت المعلمة بتسجيل فيديو عن التكريم، ونشَرَتْه على مواقع التواصل الاجتماعي – الفيس- وطَلَب ابني مني مشاهدة الفيديو معه.

جلستُ وابني نشاهد الفيديو وحفلة التكريم التي حصل عليها مع أصدقائه، لم أستطعْ استشعار إنْ كان فرِحًا أم أنه يتصنَّع الفرح، لكنَّهُ وَفقًا لعادةٍ اتَّبعها إنْ شعَر بضيق بدأ بقضم أظافره.

كان المتفوقون يتصدرون غرفة الصف، وكانت المعلمة حولهم كفراشة تحوم حول زهورها.

وبقية الطلاب جالسون يصفقون ويغنون لهم، ويمدحونهم، ويقضمون أظافرهم، (غيرة) كأبسط تعبير أو ربما (حقدًا).

أحسستُ أن هناك شيئًا ما في هذه الحفلة ليس على ما يرام، أحسست بنوع من أنواع التمييز العنصري، ذاك الذي نراه في بعض الأفلام الوثائقية.

 

كان باقي الطلاب يجلسون على مقاعدهم، ينظرون إليهم بأعين ليس عندي وصفٌ لها، لن أبالغ، وأقول: كانت أعينهم حزينة، لكنهم كانوا ينظرون إلى المتفوقين بعين الغَيرة إلى حد ما، ليست الغَيرة الإيجابية التي نسميها غبطة، ولا أعتقد أن الشعور الذي اعتراهم سيكون حافزًا لهم ليزيدوا من نشاطهم، أو يثابروا للوصول للمركز الذي يأمُلون الوصول إليه، والدليل أنَّ ابني ساء مستواه في الفصل الثاني، وبدأ يذكر المتفوقين بسوء نوعًا ما، ولا يفتأ يتحدث عن أن المعلمة تعطي كامل اهتمامها لهم، وأما الباقون فقد باتوا في عداد الإهمال غير المقصود.

 

كانت تلك الغيرة التي من المفروض أن تكون طفولية، بَدَا يتخللها بعض الحقد أو الحسد.

ولو سألتُ أي طفل من أولئك الأطفال أصحاب المستويات الأقل نسبيًّا عن شعوره في تلك اللحظة، ماذا تتوقع رده!!!؟

-(نعم أشعر بالفرح لأصدقائي الذين تفوقوا، وأتمنى لهم المزيد من التقدم والنجاح، وأرغب باللحاق بهم على الدرب نفسه)-

اعتقد أنهم ليسوا بالعمر الذي يستطيع تفهم هذا التمييز، أو استيعاب كل هذه الغيرة وضبطها بقواعد المنافسة الشريفة.

 

أدركُ تمامًا حرص المعلمة على الحفاظ على المستويات الأولى، لكنَّ فرصًا أخرى أضاعتها، ربما لو أوْلَتْها بعض الاهتمام، لوصلت لنتائج أشمل وأجمل.  

 

لم يكن إهمالُ الطالب الكسول وتجاهله حلًا ليعطي المزيد يومًا، أو لينكبَّ على دراسته، كان التجاهل دومًا والازدراء يزيد الأمر سوءًا، ويجعل الكسول أكثر كسلًا وربما يتحول إلى حاقد ناقم على من حوله، والأمثلة لا تعد ولا تحصى.

في المقابل والأمثلة كثيرة على أن مراعاة ظروف ربما لا نعرف ماهيتها،

واحتضان الأطفال المهمَلين، سؤالهم عن سبب تراجعهم، استيعاب ظروفهم مساعدتهم على مواكبة من هم في سنهم، قد يساعد في بناء جيل سوي علميٍّ ربما وأخلاقيٍّ بالتأكيد.

 

ليس هناك طفل غبي، لكن على المعلم الناجح تمييز السمكة عن الطير.

 

فلا نجبرُ الطير على السباحة، ولا نرغم السمكة على تعلم الطيران، إنما هي مسألةَ قدرات علينا استيعابها وتوظيفها بالمكان الصحيح.

وإن كان هناك بعض الطيور تجيد السباحة والطيران معًا، أو إن بعض الأسماك تجيد القفز عاليًا خارج الماء، لكن يبقى لكل كائن حالته المتفرد بها؛ فالطير طير والسمكة سمكة، بمعنى أنَّ لكل كائن وظيفته التي سُخِّر لها في الحياة.

أساليبنا التقليدية قد أضاعت أجيالًا كثيرة، توَّهت أفكارها، وشوَّهت مفاهيمها حتى حصلنا على شريحةٍ كاملة تعيش للّاشيء، بلا هدف أو أدنى طموح.

 

لم تكن الأمثلة قليلة عن أولئك الأطفال الذين كانوا بحالات مُزْرِيَة، حتى وافاهم الحظ بمعلماتٍ أو معلمين يملكون ملَكةً خاصة، حولوا مسار حياتهم من الهبوط للحضيض إلى الارتقاء للثريا.

 

إنَّ استيعاب الطفل بسنواته الأولى، ومرحلته الابتدائية التي يبدأ فيها إدراك المحيط الأبعد قليلًا عن بيته عن أمه وعن أبيه، ويبدأ باكتشاف الوجوه الجديدة، الأصدقاء الذين ليسوا جيرانه أو أقرباءه فقط، وإنما ذاك القادم الجديد، الطفل الذي يجلس بجواره. الاندماج مع الكم الهائل من الأشياء الجديدة المعلم أو المعلمة، القوانين المفروضة وغيرها.

 

كل هذا على المعلم أخذه بعين الاعتبار، ووضعه بالحسبان إلى جانب الدرس المفروضِ صبَّ قالبه صبًا في دماغ الطفل وانتظار كَبِّه على ورقة صماء.

 

وأخيرًا: لا ننسى مقولة أحمد شوقي: (كاد المعلم أن يكون رسولًا).

فهو قد ارتقى بمفهوم التعليم إلى مستوى الرسالات السماوية، فعلينا أن نعي ما ننقش في أرواح صغارنا، وأن نبقي ضمائرنا يقظة بكل حرف أو كلمة أو حتى نظرة.

فإن حباك الله بنعمة التدريس، أو مسؤولية التعليم، فكن رسولًا برسالةٍ عامةٍ وشاملة لا تختص أحدًا دون أحد، ولا تنتقص دور أحدٍ عن أحد. فمهنة التدريس تتطلب الحياد.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك