الثانوية العامة، الحلم والكابوس معًا!  

27 مارس , 2018

 

الثانوية العامة تعتبر فترة عصيبة في حياة الكثير من الأسر، فتجد الآباء يعانون من مصاعب مادية بسبب الدروس الخصوصية، والأبناء من ضغط الدراسة والرغبة في تحقيق الحلم. ونحن هنا لسنا بصدد طرح هذه الضغوطات التي يتعرض لها جميع أفراد الأسرة تقريبًا بسبب شبح الثانوية العامة، ولكننا سنناقش ـــ بعد تجربة شخصية وتجارب آخرين ـــ مدى أهمية الثانوية العامة، والأضرار النفسية التي تسببها ضغوطات الأهل على الأبناء. وهل هي فعلًا مرحلة تحديد المصير؟ وبالتالي من فشل فيها فلا أمل لنجاحه؟ ومن نجح فلا خوف من فشله مستقبلًا؟ وهل التفوق فيها هو الضامن للوظيفة التي تُهرع إليها الغالبية العظمى بعد التخرج؟

 

أولًا: نظرة عامة على بعض المناهج ودورها في إعداد الطالب للحياة العملية:

فالمناهج لا علاقة لها بالعالم الواقعي، فلا هي مفيدة أو ثرية من الناحية العلمية، ولا هي مواد جيدة بحيث تعد على الأقل حصيلة ثقافية، ولا هي تؤهل الطالب للحياة العملية فيما بعد.

فإذا اطلعنا مثلًا على منهج اللغات الأجنبية وعلى رأسها اللغة الإنجليزية وطريقة تدريسها لأدركنا مدى الفجوة في طريقة التدريس وعرض المنهج. فمعظم المدرسين لم يكونوا ينطقون الكلمات بطريقة صحيحة، والتدريس والشرح كانا دومًا باللغة العربية، وهذا لا يشمل المدارس الحكومية فحسب، بل حتى بعض مدارس اللغات. علاوة على أن أمر التفوق في اللغة يعتمد كغيره على الحفظ، وإن لم يحسن الإنسان نطق الكلمات أو الحروف.

ذلك أن الامتحان المكون من أسئلة القواعد والترجمة والقصة القصيرة والحوار والاختيار من متعدد مبنيّ على الحفظ وإن لم يفهم الإنسان كلمة واحدة! وهكذا نلقى الكثيرين ممن حصلوا على العلامات التامة وهم لا يفقهون شيئًا في الإنجليزية! وقِسْ على هذا في بقية المواد.

 

ثانيًا: الجامعة وصدمة الدخول في عالم آخر!

من الأمور التي تسبب خللًا كبيرًا في منظومة التعليم الجامعي، الهوة الكبيرة بينه وبين جميع مراحل التعليم السابقة. وهذا أمر منطقي وطبيعي ومعروف في جميع أنحاء العالم، ولكن هذا الأمر يسبب مشكلة في العالم العربي، بسبب اختلال المنظومة.

فالاعتماد الأوحد والكلي يكون على المجموع الكلي في الثانوية العامة، والذي يعتمد بالدرجة الأولى على مدى حفظ الطالب للمنهج أكثر منه الاستيعاب العقلي والفكري له. أما في الغرب، فهناك ما يسمى بامتحانات القبول، وفيها تقوم الجامعة بامتحان تفصيلي لمستوى الطالب الدراسي، وسجله التعليمي، بالإضافة إلى مهاراته وأهدافه من دخول الجامعة. وذلك لتتمكن الجامعات من معرفة مدى أهلية الطالب، ولذا يلقى التعليم الجامعي نجاحًا باهرًا في الغرب.

بينما يختلف الوضع عندنا، حيث يُحدِّد المجموع (المبني على الحفظ) أهلية الطالب من عدمها لدخول أي جامعة ابتداءً من الطب والهندسة وانتهاءً بالتجارة والآداب. وأيًا كانت الكلية التي يدخلها الطالب، فالصدمة واحدة حيث لم يتم تهيئة الطالب مسبقًا لهذا النوع من الدراسة التي تعتمد بالدرجة الأولى على البحث والتعلم الذاتي، فنجد آلاف الطلبة من متفوقي الثانوية وقد صاروا من راسبي العام الأول من التعليم الجامعي!

 

في كلية اللغات مثلًا التي التحقتُ بها في عام 2007 رسبتْ تقريبًا نصف دفعتنا في السنة الأولى في قسم اللغة الإنجليزية، بسبب الأخطاء في قواعد اللغة الإنجليزية. علمًا أن هؤلاء الطلبة “الراسبون” كانوا من أوائل الثانوية العامة في مادة اللغة الإنجليزية. أضف إلى ذلك أن قسم اللغة الإنجليزية يعتبر من أعلى الأقسام في الكلية من حيث العلامات الدراسية، لذا فالمفترض أن الملتحقين بهذا القسم هم الحاصلون على أعلى الدرجات في اللغة الإنجليزية في الثانوية العامة!

وبعيدًا عن قضية الصدمة التي يتعرض لها الطالب نتيجة للهوة الواسعة بين العالمين، تدخل الغالبية من الطلبة لكليات تناقض رغباتهم وأحلامهم الشخصية بسبب فارق المجموع الذي قد يصل أحيانًا لعُشر درجة فحسب. ولأنه ليس هناك وسيلة تقييم أخرى فالاعتماد الكلي يكون عليها ولا وسيلة أخرى للمفاضلة.

 

ثالثًا: أهمية الثانوية والأضرار النفسية على الطلبة:

زادت حالات الانتحار عقب عرض نتائج الثانوية العامة في العشر سنوات الأخيرة بشكل ملفت. ومن قبلها حالات الاكتئاب والضغط النفسي من الأرق و فقدان الشهية… إلخ. وكل هذا بسبب الفكر الخطير والخاطئ الذي ما يزال مترسخًا عند كثير من الأهالي والطلبة، فيما يتعلق بأهمية الثانوية العامة وأنها مرحلة تحديد المصير ومقدار نجاح الإنسان إلى غيرها من الآمال والأحلام.

لذا، يسرني من تجربة شخصية بعد عشر سنوات من التخرج ومن تجارب آخرين من التقيت بهم في مجال العمل أو غيره أن نزف للأهالي هذه البشرى، وهو أن الثانوية العامة لا تمت للحياة العملية بصلة، كما أنها لا تحدد درجة النجاح أو الفشل التي يتعرض لها الإنسان. علاوة على أن التخصص الذي يختاره الإنسان لا يعتبر حتميًا أو نهائيًا كما يصوره البعض.

فالكثير ممن تخصصوا في الطب أو الهندسة، انتقلوا للتدريس أو الترجمة أو حتى الأدب. كما أن الكثيرين غيَّروا تخصصاتهم بناء على الوظائف المتاحة في سوق العمل. وهناك ـــ وهو الأهم ـــ من ساعدتهم مهاراتهم الشخصية على الالتحاق بوظائف ذات مميزات ومرتبات جيدة، وهذا المحور التالي لحديثنا والذي يتغاضى عنه المعظم حتى يصدموا بواقع الحياة العملية وأن الشهادة وحدها تكفي للحصول على وظيفة الأحلام!

 

رابعًا: المهارات وأهميتها في التوظيف:

أذكر عندما كنا في نهائي المرحلة الإعدادية، وزَّعت علينا الوزارة كتيب أسئلة مهارات وتفكير، فتملكنا الرعب لأن عقلياتنا التي اعتمدت على الحفظ والتلقين على مدار المراحل الدراسية، لم تستوعب إدخال مبدأ الإبداع والتفكير في منظومتنا التعليمية ولا في عقليتنا العربية الدراسية. وما زادنا رعبًا، هو أنه تم إعلامنا بأن بعض أسئلة التفكير والإبداع تلك ستكون جزءًا من الامتحان، وأنه لا إجابات جاهزة لها في كتاب الوزارة، وإنما سنعتمد وقتها على عقولنها للإجابة!

واتضح لي آنذاك أننا نعاني بصفة عامة في العالم العربي من مشكلة في الإبداع وتعلم المهارات، وصرنا غارقين في دوامة الحفظ لنحرز التفوق “المزعوم” ثم نغرق في بحر الحياة العملية ولا نجد من ينقذنا إلا مهارات لم نحرص على تعلمها.

ومرة أخرى يختلف الوضع في الغرب، فتجد الطفل وهو في الرابعة عشرة من عمره وقد احترف حرفة، فله وظيفة وراتب وربما شقته الخاصة. ومن هنا، تجد الكثير من الشباب الناجحين في الغرب من أصحاب المهارات وهم غير جامعيين، فالشهادات لم تعد هي مستوى التقييم في كثير من المجالات والأعمال. وإن كانت فهي ما عادت تغني وحدها، ولا بد معها من مهارات حياتية أو لغوية أو غيرها. فعلى سبيل المثال، معظم من يعملون في مجال الاتصالات ليسوا متفوقين دراسيًا ولكنهم أصحاب مهارات، سواء في الإدارة أو اللغة أو التعامل مع الناس.

 

وختامًا، فالكثير من الناجحين الذين قابلتهم لم يكونوا من متفوقي الثانوية العامة والعكس صحيح. وبهذا فقد أثبتت الثانوية العامة فشلها من عقود في تخريج طلبة متفوقين “بحق” ومحددي الهدف بحيث يكونوا ناجحين في حياتهم العملية والمستقبلية. ومع ذلك، فإننا لا نفتأ نروي ونسمع قصص الفشل المزري والصدمة النفسية التي يتعرض لها طالب الثانوية العامة قبل وأثناء وبعد تلك التجربة المريرة، تجربة الثانوية العامة! وإلى هؤلاء أقول:

رفقًا بأنفسكم فالثانوية العامة ليست نهاية العالم، ولا هي من تحدد المصير. وإنما بالتوكل على الله، والحرص على تطوير الذات وتعليمها، وخوض التجارب المختلفة، يتعلم الإنسان!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك