الدروس الخصوصية ضرورة أم ترف؟!

28 أبريل , 2018

انتشر منذ فترة على مواقع التواصل الاجتماعي في سوريا تصريح لوزير التربية يذكر فيه أن الدروس الخصوصية الجماعية في المنزل (أي لأكثر من ثلاثة أشخاص) ممنوعة وتغرم المعلمة، وقد يؤدي هذا إلى إغلاق منزلها الذي تعطي فيه الدروس!!

 

يبدو هذا غريبًا للغاية، في ظل أصوات ترتفع للمطالبة بمنع الدروس الخصوصية بشكل نهائي وإغلاق المعاهد الخاصة وسحب الملخصات من الأسواق، كي يعود للمدرسة هيبتها وأهميتها بالنسبة للطلاب، وفي الحقيقة أن أغلب طلاب الشهادة الثانوية ينسحبون من المدرسة كي يدرسوا في المعاهد الخاصة خلال تلك السنة لأسباب كثيرة أهمها العناية الأفضل والتدريس عالي المستوى، إضافة إلى ما يسمى بالتوقعات في نهاية العام.

 

وفعليًا لم يؤدِ هذا لتحسن مستوى الطلاب، رغم أن الأرقام تظهر غير ذلك، لكن مستوى الطالب في فهمه للمنهج واستيعابه لا تتعلق بالدرجات التي حصل عليها والنتائج في نهاية العام، فهل حقًا تعد الدروس الخصوصية مفيدة أم أنها إفساد للعملية التعليمية؟ وهل يمكن الاستغناء عنها بشكل كلي؟

 

هل هناك فائدة للدروس الخصوصية؟

عندما نطرح فكرة منع الدروس الخصوصية بشكل نهائي، فإن أول ما يفكر به المدرسون هو المردود المادي الهائل الذي يحصلون عليه منها، وأن الرواتب التي يأخذها المدرسون في المدارس الحكومية أو الخاصة لا تكفي لشخص واحد، فما بالكم لو كان هذا الأستاذ معيلًا لعائلة كاملة؟!

 

المشكلة التي تتعارض مع مصلحة الطالب هي على قسمين:

الأول: متعلقة بالأستاذ نفسه، حيث إن كثيرًا من الأساتذة يتهاونون في الشرح داخل الصف كي يضطر الطلاب إلى التسجيل عنده في المجموعات الخصوصية، وهذا النوع من الأساتذة يستحق الشنق في ميدان عام، لأن الأصل أن يبذل جهده في الشرح ومن لا يفهم يذهب لأستاذ خصوصي.

أو لأن عدد الطلاب كبير في المدارس الحكومية فإن الطالب لا يأخذ حقه من الشرح والفهم، فيلجأ للدروس بعد المدرسة.

الثاني: يتعلق بالطالب نفسه، حيث يحتاج بعض الطلاب إلى عناية خاصة أثناء الشرح، وبسبب العدد الكبير للطلاب في الصف فهذا يجعل من الصعب على الأستاذ استيعاب جميع الطلاب، لكن ماذا عن المدارس الخاصة؟ لماذا يحتاج طالب أن يحصل على دروس خصوصية في مدرسة خاصة عدد الطلاب في فصلها الواحد لا يتجاوز ثلاثين طالبًا في ظروف أفضل بكثير من المدارس العامة؟

إذًا لا يبدو أن الأمر متعلقًا بأستاذ لا يجيد شرح مادته، بل بطالب لا يعرف كيف يدرس!

التعليم الافتراضي.. هل يكون بديلًا عن الدروس الخصوصية؟ 

 

مهارة الدراسة التي لا يعرف عنها الطلاب شيئًا:

قبل عشر سنوات لم يكن مصطلح الدراسة الفعالة مطروحًا ومنتشرًا كما هو الآن، لكن يمكن القول إن كثيرًا من المهارات التي يندرج تحتها هذا المصطلح قد كانت معروفة ومستخدمة عند الطلاب من قبل، أتحدث عن نفسي على الأقل.

 

لكن حسب ملاحظتي للطلاب أنهم لا يعرفون كيف عليهم أن يدرسوا، هذا بحد ذاته مشكلة، إضافة إلى أن الأهل لم يعودوا عاملًا مساعدًا للطالب، بل وسيلة ضغط عليه تعمل عملاً معاكسًا لدفعه للأمام.

 

فوقع الطالب بين نارين سوء التدريس، وضغط الأهل فكان لا بد من أحد يعينه على الدراسة وحفظ الدروس ويوجهه لطريقة الحفظ والمراجعة، وقد يكون هذا مفيدًا لمرحلة معينة، ما لم تنعكس سلبًا وتتحول إلى اعتماد كلي على الأستاذ الخصوصي، بحيث لا يدرس الطالب ما لم يكن أستاذه يجلس معه، وبمجرد خروج الأستاذ من المنزل فإنه يتوجه للقيام بأي عمل آخر واللهو واللعب، وكلما كبر الطالب زاد الوقت المطلوب منه للدراسة، وبالتالي يصبح الأمر أكثر عبئًا على الأهل من ناحية مادية ومعنوية.

 

منذ زمن ليس ببعيد كان الدرس الخصوصي دليل كسل الطالب ومصدر خزي له، وكان الأمر يحدث بشكل سري كي لا يعيّره أحد من زملائه. حتى بالنسبة الأستاذ الذي يلجأ للدروس الخصوصية ، كان هذا يعني قدحًا في أمانته وشرحه داخل الصف!

 

الآن صار كل شيء يحدث “على عينك يا تاجر”، وصار الطالب لا يكترث لأستاذه لأن هناك من سيعطيه الدرس في منزله وهو يجلس مرتاحاً في غرفته، فلم التعب!

 

إلغاء الدروس الخصوصية لا يتعلق فقط بمرتب الأستاذ، فهذه جزئية من سلسلة طويلة، حبات عقد إذا انفرطت حبة ضاع كل العقد.. عندما نريد إلغاء الدروس الخصوصية نحتاج إلى كثير من الخطوات البديلة أهمها حسب رأيي:

 

– رفع مرتبات الأساتذة، بحيث لا يحتاج لمال الدروس الخصوصية.

– تعديل المناهج لتصبح منطقية ويمكن للأستاذ أن يعطيها خلال الفترة المحددة، إضافة إلى تعديل الطرح ونمط الأسئلة بشكل متوازٍ، كي لا يضطر الطالب إلى أن يلجأ إلى نوطة أو دروة خاصة للحصول على ما هو مهم في المنهج.

– تأهيل الأساتذة بشكل ممتاز، ورفع مستواهم كي يكونوا قادرين على العطاء.

– تزويد الطلاب من خلال حصص الأنشطة بمهارات الدراسة الفعالة، وتعليمهم كيفية الدراسة في المنزل دون الحاجة لوجود أحد معهم.

– تأهيل المدارس والبيئة التعليمية، من ناحية عدد الطلاب والصفوف والوسائل التعليمية المناسبة، كي بجذب الطالب وتعطيه حقه من التعليم مهما كان نمطه التعليمي.

 

هذه نقاط خمسة لا تغني واحدة عن الأخرى، ولا يمكن البدء بواحدة والاستغناء عن الباقيات، كما حدث عندما تم تغيير المناهج دون أن يتم اتخاذ أي خطوة أخرى، فكان انعكاس هذا أكثر سلبية مما لو بقيت المناهج كما هي، أو علينا أن نقبل بالدروس الخصوصية والتعامل معها كواقع لا غنى لنا عنه.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك