الذين يتحملون ذنوب تعليمنا

20 يناير , 2017

بعد وقت طويل، سألت نفسي سؤالًا، وأسألك إياه إن كنت ممن درسوا المواد الأدبية لا العلمية، ما مدى حبك للعلوم، الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء؟ غالب الأمر أنك كنت تكرههم مثلي، وإن سمعت بإحدى هذه المصطلحات سترى أرقامًا ورموزًا لا تعرف منها إلا القليل لكن فعليًا هي كذلك مقيتة، تصور أن أحدهم يلبس نظارات سميكة وينظر بهكذا رموز دون ملل أو دون حيوية؟!

لكن مهلًا هناك سبب وأسباب جعلتنا نحن ممن درسوا الدراسة الأدبية نكره هذه المواد ونضمر لها العداء، ونتكاسل عنها في بعض الأحيان، وربما نهرب من حصصها، كما لو أننا نحضر صف لغة لا نعرف ماذا يتكلم أصحابها، من يحمل ذنب كرهنا لهذه المواد ولماذا يا ترى؟!

في رمضان الماضي، شاهدت أغلب حلقات برنامج العلوم “لحظة” الذي بثته MBC والذي رأيت فيه سابقة، إذ إننا اعتدنا أن نرى في رمضان مسلسلات الشوارب والدراما والكوميديا، ونختتم ذلك ببرنامج مسابقات وفوازير، ثم نذهب للنوم لنهار جديد في ذات السلسلة الفارغة (على صعيد الإعلام)، مع برنامج لحظة، تكتشف مدى جمالية العلوم وعظمتها وكم كنت مخطئًا عندما كرهت العلوم وابتعدت عنها، لكن فعلًا يظل السؤال.. من المذنب في ذلك؟

مناهجنا:

المذنب الأول في محكمة حياتنا إن ندِم أحدنا وقال لنفسه لمَ لم أحب العلوم يومًا ما، سيكون مناهجنا، إن وصفتها بالغبية فسيكون هذا الوصف قليلًا جدًا عليها، كتب مصنوعة من ورق رديء، طُبع عليها نظريات فارغة وغير مفهومة، هذا إن أردت الاختصار بوصفها، فكتبنا المدرسية كانت وربما ما تزال، نمطية لا تفاعلية، بالأبيض والأسود، ودون أمثلة تتصل بنا لتشرح لنا عن ماهية تلك النظرية العلمية أو حتى مثلًا أقرب النظريات لحياتنا العملية، ستجد أمامك أوراقًا بيضاء مُلئت بالأحرف المكتوبة باللون الأسود ولا شيء أكثر، أما مختبر العلوم أو الدروس التفاعلية؟ فهي أقرب لما كنا نسميه حصص الفراغ، إذ يجمع الأستاذ المسكين الطلاب في قاعة ليبدأ بالشرح بينما ينفصل الطلاب عن لحظته بالتفكير بعيدًا، أو ربما بالشعور بالملل، لا يسعى المُدرس لأن يكون درسه تفاعليًا، إنما يأخذ بما ذُكر أمامه في الكتاب، يقدّمه خلال 45 دقيقة ثم ينصرف لبيته وكأن شيئًا لم يكن، وأتصور أن هذا هو حال أغلب المدرسين.

هل سألت نفسك يومًا ما، إن كنت راكبًا في سيارة مسرعة ورميت كرة صغيرة في الهواء، لمَ لم تذهب الكرة للمقعد الخلفي بل ظلت في مجالك وأمام ناظريك؟

أهلنا:

أولياء الأمر

في دولة مثل ألمانيا يحدد مسار التلميذ الأكاديمي أو المهني بعد الصف الرابع، تخيل بكل هذه البساطة!، هذا الكلام حتمًا لا يأتي من عبث، بل يتأتى من دراسات وأبحاث ونظريات تدرس التربية والتعليم لتحدد كيف ستسير بلاد وأجيال بأكمالها، لا كما وجدنا عليه آباءنا! يأتي أحدنا للدنيا فيدرس ابتدائية ثم يذهب للإعدادية وصولًا للثانوية، في دورة حياة رديئة، عظيم هو من ينجو منها.

فعلًا رأى الألمان أن عقل الطفل في هذه المرحلة خصب، فببساطة اختاروا أن يتم تحديد مساره الأكاديمي وتوجهه له في هذا السن عكس بلادنا العربية.

أما أهلنا فعليهم جزء من الذنب لأنهم لم يحببونا من الصغر في موادنا العلمية، (ربما) من مبدأ دع الخلق للخالق، لم يوجهونا لنحب الفيزياء ولنعرف أهمية معادلة رياضية مثلًا في حساب سعة الغرفة، لم يحببونا بعلم مثل الفيزياء الذي ستكتشف مدى لذته عندما تكبر وتتأمل في نظرياته.. هكذا يتحمل أهلنا حقيقتنا المرة.

الخجل:

الخجل

قالوا أن اثنين لا يتعلمان الخجول والمتكبر، ستكتشف مدى صحة هذا المثل عندما تقف وتسأل المعلم سؤالًا مهما كانت درجة بساطته، لترى زملاءك في الصف ينظرون إليك نظرة الاستغراب، وأغلبهم ينظر لك من مبدأ (اسكت خلي هالحصة تخلص)، هكذا تزرع بذرة الخجل عندك كـطالب، لتصبح تسكت في كل الحصص، وتلحقها في كل السنوات الدراسية، لتخرج من المدرسة أصم لا تعرف السؤال.

السؤال خير مُعلم، ولولاه لما تعلمت أو شرح لك مدرسك معانٍ لم تكن لتعرفها أثناء تلاوته للدرس كل يوم، تكون الخجل عند التلميذ هو قاهر للعلم وكابت له، يجعل التلميذ أبكم إلى أن يخرج من المدرسة لا يفقه شيئًا مما قيل له.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك