اللغة العربية، بين الإهتمام والتقصير

4 مايو , 2011

تبدأ قصتي مع اللغة العربية عندما كنت في مقتبل العمر, لم يكن حلمي يشبه حلم أي طفل يحلم بأن يكون طيارا أو مهندسا أو طبيبا, كان حلمي الوحيد الذي أراه أمام عيناي مدرّسة لغة عربية تقف في ثبات وتشرح لطلابها قواعد اللغة, يعود الفضل في انطباع حلم كهذا في ذاكرتي إلى معلمة اللغة التي كانت تعلمني عندما كنت طفلة, كانت لطيفة جدا معي إضافة إلى لكنتها الجميلة حين تتحدث بالعربية الفصحى, لقد زرعت فيّ هذه المعلمة عشق اللغة العربية لدرجة جعلتني أتحدث بها مع عائلتي وأصدقائي. كبرت وكبر حلمي معي إلى أن بلغت السنة الثالثة عشرة من عمري, مثلت هذه السنة بالنسبة لي تحولا جذريا في أحلامي فلم تعد معلمة اللغة ذلك الإنسان الذي يتحدث العربية بصوت رقيق يختلط بابتسامة بريئة, لقد تحولت فجأة إلى وحش يصيح بصوت عال يخلو من تناغم في الألفاظ أو حتى تناسب بينها تقبله الأذنين, ورغم خبرتها الطويلة في مجال تدريس اللغة إلا أنني أعترف أنني كنت أبرع منها بكثير في تحدث الفصحى . و في تلك الفترة لم أكن ناضجة بعد لأعي أن تحقيق حلمي يتطلب مني مواجهة هذا الصنف من الناس فأنا لم أتخيل يوما أن هناك مدرس لغة يعجز عن تطبيق ما يلقنه لطلابه, مدرسٌ اللغة العربية بالنسبة إليه مجرد كلام نظري غير قابل للتطبيق ؛ لذلك تحول حلمي في تلك السنة البائسة إلى رماد. ولكنني مع ذلك لن أنكر امتناني لتلك المعلمة فقد جعلتني أتنبه أن اللغة العربية ليست مجرد لطافة المدرّسة أو الرقة في صوتها, جعلتني أتنبه أن اللغة العربية قواعد وألفاظ وأساليب وأنه يتعين عليّ منذ الآن أن أركز في كلمة عربية أسمعها لأتأكد من صحتها حتى لا أسمح لأحد أن يغطي أو يمحو ما علمتني إياه معلمة اللغة عندما كنت طفلة ! سأتجرد الآن من مخيلتي وأحلامي لأحكي واقعا أراه أمامي , عندما كنا أطفالا – وكما ذكرت سابقا – كانت اللغة العربية تمثل شيئا جميلا في حياتنا, أما الآن فمعظم الأطفال الذين أقابلهم يشكل لهم كتاب اللغة العربية أزمة نفسية!  ومع الأسف فقد اكتشفت مؤخرا أن مادة اللغة العربية ليست داء الصغار وحدهم بل هي داء تفشى ليشمل الكبار أيضا, فمعظم زملائي في المدرسة الثانوية يفضلون دخول القسم العلمي – بعيدا عن ميولهم – حتى لا يكلفوا أنفسهم عناء دراسة اللغة على حد قولهم, فعلى من تقع المسؤولية في كل ذلك؟  إذا كنا نريد أن نلقي بالكرة في ملعب المدرسة, فالمدرسة مجرد مركز يتلقى الأوامر و يقوم بتنفيذها, و إذا كنا نريد لوم الطالب فقد اضطرته ظروف تعليم اللغة في بلاده إلى التفكير بهذه الطريقة, أما إذا كنا نريد إلقاء اللوم على منهجية وزارة التربية والتعليم فنستطيع القول أنها تتحمل خمسين بالمائة من أسباب المشكلة؛ فمناهج اللغة العربية في بلادنا تركز بشكل كبير على النواحي النظرية مع إغفال النواحي التطبيقية كما أنها في كثير من الأحيان تركز على مواضيع هامشية في اللغة و تهمش في نفس الوقت أمورا ضرورية لا ينبغي تجاهلها ناهيك عن كونها تحوم طوال السنة حول فكرة واحدة ولكن مع تعدد  طرق عرضها في كل مادة البلاغة, الأدب أو التعبير). إذا كانت وزارة التربية والتعليم تتحمل نصف أعباء المشكلة فمن يتحمل النصف الآخر ؟! هنا يأتي دور مدرّس اللغة مع حجته المشهورة : " أنا لا أجد من الطلاب ما يدفعني لإخراج ما بداخلي " يقصد أنه لا يجد صدىً لصوته أو تجاوبا من طلابه, سأقول شيئا لمدرسي اللغة بصفتي طالبة : " أنا مهتمة, أنا شغوفة " و "أنا" أمثل آلافًا من الطلاب والطالبات مثلي. إذا كنتم تعتقدون أن ثلاثة أرباع الطلاب غير مهتمين وأننا نمثل أقلية فنحن نقول لكم إن جودة ما تخبئونه  وأساليبكم في عرضه وتطويركم لأنفسكم وقدراتكم هو مفتاح اهتمام الأكثرية الباقية, جربوا أن تغيروا أساليبكم, جربوا أن تضعونا  في الميدان, جربوا أن توسعوا ثقافتنا على الأقل بدلًا من تقييدنا فيما لا يثير اهتمامنا ونحن نعدكم حينها أنكم ستجدون دويّا لأصواتكم وليس فقط صدىً لها. طالبة في الصف الثاني عشر مدرسة حكومية في السعودية



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 4 تعليقات

شهد حجاوي منذ 7 سنوات

احييك صديقتي على هذا الموضوع الجميل لطالما كنت اريد ان اقول هذه الفكرة لكنني لم اجد الصيغة المناسبة لكتبه
ولكن الان عرفت كيف اعبر عن لغتي باسلوب لائق و واثق
اشكرك واتمنى ان يقروا المعلمين والمعلمات هذا الموضوع الرائع
كوني دائما متالقة في كتابتك ورائعة في وصفك
اتمنى لك كل التوفيق

avtobazar منذ 7 سنوات

Nice topic – respect !

شذا صالح منذ 7 سنوات

زهراء جرحك عميق جدا… أتمنى أن ينبعث صداه في الأفق فيقرأه من “يهمه الأمر” ويعيه جيدا جدا، دعيني أشاركك و أخبرك أنني أعتقد أن أكبر مشكلة تحيط بمتعلم اللغة العربية ومعلمها هي تزعزع الهوية العربية والاسلامية في خوالجهم إلى الدرجة التي باتو ينظرون فيها إلى اللغة التي من المفترض أن تكون ممثلهم الأول و طريقهم للوصول إلى الآخرين إلى عبء ثقيل و حصة “مملة” و درس “صعب”.
صديقتي.. ل”نثر” ونحر في عصر ال”ثورات” وليكن مقالك هذا هو الباعث لنا لنفخر أكثر بلغتنا الجميلة 🙂

Haneen Odeh
Haneen Odeh منذ 7 سنوات

أعتقد أن المشكلة نابعة من المجتمع
فالنصف الآخر يتحمله الدافع الشخصي لكل من الطالب والمعلم وغيرهم
من رغبة في تعلم أشياء يجب أن يعرفها لأنها ببساطة لغته هو والتي ستكوّن هويته هو وبالتالي حضارته ونهضته ووو ..
و هذا مايفتقده ومايهمل أهميته الكثير للأسف في داخل المدرسة وخارجها أيضاً.

أما عن قصة المعلمين .. فالمعلم الناجح هو الذي يحفز طلابه على إظهار الأشياء المكنونة في أعماقهم .. خاصة إذا كان الموضوع يتعلق بشيء عظيم مثل اللغة العربية .. أما إن لم يفعل ذلك .. ماهي وظيفة المعلم إذن ؟!!

شكراً زهراء .. مقال جميل ياصديقتي وننتظر الجديد دائماً =)

أضف تعليقك