رشوة الأستاذ .. و عنصريته

8 فبراير , 2015

التعليم مهنة نبيلة لا يستطيع القيام بها إلا من كان ضميره حيًا، و إن كان الطبيب ينقذ أرواحًا فإن المعلم و الأستاذ ينقذ أمة و شعبًا.

 قد يبدو الأمر بسيطًا لكن من المؤكد أنه ليس كذلك و قد نرى تعب الأستاذ على أنه شيء هين إلا أنه تضحية في سبيل العلم و في سبيل مستقبل البلد، الأمر المحزن هو حين نرى أولئك الذين يشوهون مهنة التعليم بتصرفاتهم، الأمر المثير للغرابة و الدهشة هو حين نرى النقاط تباع و تشترى كأنها سلع، و المبكي هو حين ينشأ هذا الجيل على التجارة بالعلم عوضًا عن أن ينشأ على قيم العدل و المساواة و نبذ المحاباة و الواسطة.

لاحظت مرارًا و تكرارًا و كنت شاهدًا في أحيان كثيرة على تصرفات لأساتذة تجعل المرء يتساءل: أهؤلاء أساتذة أم تجار في سوق معين؟ أيملكون ضميرًا أم أنهم باعوه منذ زمن؟ لقد وصلنا اليوم إلى زمن يشتري فيه التلميذ نقاطًا مرتفعة و تقديرًا ممتازًا سواء برشوة الأستاذ أو بإعطائه هدايا يقال أنها من باب “التقرب و المحاباة”، و الحقيقة بئسًا لهكذا تقرب !لقد وصلنا للوقت الذي أصبحت فيه العنصرية أمرًا عاديًا في المحيط التعليمي فيكرم ابن “فلان” و يداس على ابن “علان” ليس لسبب إلا لأن “فلان” صاحب مكانة مرموقة في المجتمع و “علان” فقير لا يملك أحيانًا ثمن عشاء أو غداء أسرته.

طوال حياتي، كنت متأكدًا أن التزوير و المحاباة و العنصرية سينتشرون في كل مجال ما عدى اثنان: التعليم و الصحة. حسنًا، النقاط اليوم تباع و تشترى و كذلك صحة العباد لذلك يبدو أنني كنت مخطئًا!

عانيت شخصيًا من قضية “المحاباة” حتى وصل الأمر إلى إقصائي من فرص تعليمية بسبب الواسطة، عانيت مع أساتذة لا يعرفون قيمة التعليم فهمشوا الذكور و اهتموا بالإناث فقط (ليس السبب في الإناث طبعًا بل في طبيعة هؤلاء الأساتذة)، عانيت مع آخرين كانوا يغيبون ثم يعطوا لأبناء و بنات “أصدقائهم” أعلى العلامات في حين أتلقى أنا و زملائي من عامة “أبناء الشعب” علامات أقل ما يقال عنها “نكتة” بالنظر للتعب و الجهد الذي نبذله، وصل الحد بأحد الزملاء إلى التوقف عن الدراسة و دخول مجال العمل و كان يقول لي دائمًا: “نحن نضيع وقتنا مع هؤلاء الأساتذة”، لكني بقيت و سأظل دائمًا مؤمنًا بأن وجود بعض من هؤلاء في المجتمع يفرض وجود الصالحين و الشرفاء.

أعتقد أن قضية “المحاباة” تفرض أمورًا خطيرة للغاية في الوسط الدراسي، فالتلميذ حين  يشعر بأنه منبوذ من طرف أستاذه سيجد نفسه لا محالة يدور في دوامة من الكره و الحقد، سيكره مادة الأستاذ و سيكره أولئك الذين يعاملهم الأستاذ بطريقة أفضل، قد يصل الأمر به إلى اعتزال الدراسة أو ما نُسميه غالبًا ب”التسرب المدرسي” كما حصل لصديقي، سيفقد المجتمع شخصًا كان يستطيع أن يُساهم في بناءه، سيفقده و سيفقد الآلاف بل مئات الآلاف مثله، سيفقدهم ليس إلا لأن الأستاذ اختار أن يبيع “ضميره” و “شرفه” و أن يصير تاجرًا.

إن أردنا إصلاح هذا الخلل، علينا بتوعية الأساتذة بمسؤولياتهم الأخلاقية، فعليهم أن يدركوا أنهم المسؤولون عن هذا الجيل الجديد و أن الوقت الذي يقضيه الطلبة في المدارس قد يكون ضعف الوقت الذي يقضونه في بيوتهم فهل يأتي الطالب لكي يعاني أم لكي يدرس؟ هل يأتي الطالب لكي يشعر بالمساواة التي تحثه و تدفعه لتقديم أفضل ما يملك أم يأتي لكي يحزن و يشعر بالطائفية و المحاباة؟ الأجوبة واضحة و الخيار أمامنا، و كم أنا خائف أن نختار الخيار الخطأ!

طالب ثانوي

مدرسة حكومى



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك