المدرسة الجزائرية و الواقع المؤلم

18 يناير , 2015

لا يخفى على أي جزائري المستوى البائس للمدرسة الجزائرية، في الحقيقة وصف المستوى بالبائس ليس مبالغة بل قد يكون حتى تجميلًا لصورة الواقع! لا يختلف إثنان على أن الجزائر لن تجد في المستقبل رجالًا و نساءً مؤهلين لقيادة البلاد في ظل ما تعانيه المؤسسات التربوية اليوم، و إن قمنا باستثناء أولئك الذين يثقفون أنفسهم بأنفسهم، و يطورون مؤهلاتهم و يسعون لتعليم أنفسهم و التوسع في شتى العلوم بمفردهم… إن قمنا باستثناء هؤلاء كون معظمهم سيهاجر لبلدان غربية ستجد الجزائر نفسها في دوامة قد يكون من المستحيل الخروج منها. إن المشاكل التربوية و التعليمية في الجزائر ليست مشاكل بسيطة، بل هي نتيجة لأزمات معقدة و متتالية و اخفاقات عديدة، و التلميذ لا يعدو أن يكون مجرد ضحية لكل هذا، لكن كونه ضحية يجعل كل المجتمع مسؤولًا، يجعل كل أفراد الأمة الجزائرية ملزمين بإيجاد الحلول، و الحلول لابد و أن تكون حلولًا نهائية فالترقيع اليوم لا يصلح، و التنديد لم يعد نافعًا بل وجب على الناس أن يتحركوا لعل و عسى ينقذون ما تبقى من المنظمة التعليمية الجزائرية، هذا التحرك في رأيي لابد أن يركز على ثلاث نقط، أعتبرهم شخصيًا أهم شيء لو أردنا حقًا النهوض بمدارسنا و مؤسساتنا التربوية: مشكلة الاكتظاظ، المناهج التعليمية، و توفير الوسائل. إن أخطر ما يواجه المدرسة الجزائرية اليوم هو مشاكل الاكتظاظ، فليس غريبًا أن يرى المرء خمسين تلميذًا في قسم واحد حيث أن كل المدارس الحكومية (المدارس الخاصة لها واقع مختلف) تعاني و تئن في صمت. منذ سنوات و الوزارة المعنية تحاول جاهدة حل المشكلة لكن يبدو أن هذه الأخيرة أبت إلا أن تستمر، و في الحقيقة معدل بناء المؤسسات الجديدة ليس كافيًا و لن يكون أبدًا كذلك في المستقبل خصوصًا مع الزيادة السكانية الكبيرة أو ما يعرف اصطلاحًا بـ” الانفجار الديمغرافي”. رغم الصعوبة إلا أن الحل ممكن و ليس مستحيلًا، مشكلة الاكتظاظ ناجمة عن قلة المؤسسات و انخفاض معدل بناء هذه الأخيرة لذلك الواقع يفرض زيادة عدد المؤسسات، لكن قد تكون هناك معضلة صغيرة هي أن التوجه الاقتصادي الحالي الذي تنتهجه الجزائر توجه دفاعي (عسكري) سياسي و المشاكل الاجتماعية تتطلب أموالًا كبيرة، لذلك قد يبدو الحديث عن تخصيص ميزانية كبيرة للقطاع التعليمي أشبه بالنكتة في ظل الظروف الحالية لكني مؤمن بأن الظروف الاستثنائية تتطلب اجراءات استثنائية و العالم اليوم لا يخوض حربًا عسكرية بل علمية حتى المشاكل السياسية لا يملك حلها غير الكفاءات العلمية لذلك أرى من وجهة نظر أنه يجب اليوم قبل الغد رفع الميزانية المخصصة للقطاع التربوي في الجزائر، يجب القيام بتوسعة شاملة للمؤسسات التربوية في مختلف ربوع الوطن بالإضافة لبناء أخرى جديدة، كلنا نعلم أن الثمن سيكون كبيرًا و السعر مرتفع بدون شك لكن وجب التنبه إلى أن الثمن سيكون للاستثمار في الأجيال القادمة و أي استثمار أفضل من الاستثمار في أبناء الوطن؟!! هناك مشكلة أخرى تواجه الجزائر بنظري و هي انعدام الوسائل التكنولوجية في المدارس و الثانويات و حتى بعض الجامعات، هناك ندرة في استخدامها بل إن إيجاد ثانوية في منطقة نائية أو جامعة في ولاية فقيرة يستعمل طلابها الحواسيب و أجهزة العرض للقيام بواجباتهم و التوسع في دروسهم في المؤسسة التربوية أشبه بالمستحيل، و هذا دون الحديث عن المرافق التي يجب أن تكون متوفرة في المخابر فشخصيًا أعرف العديد من الطلبة الذين يدرسون علم الأحياء أو حتى الطب و كلهم يجمعون على أن الدراسة نظرية فقط و لا وجود للتطبيق، لا وجود لمخابر تضمن على الأقل الحد الأدنى من المعايير الدولية، و لا وجود كذلك لأجهزة إعلام كافية بل و في ثانويتي على سبيل المثال يضطر الأستاذ إلى استعمال وسائله و موارده الخاصة ليعرض درسه… هذا في الحقيقة مؤسف، مؤسف للغاية! كيف ننتظر من التلاميذ و الطلاب أن يبدعوا في مجال تخصصهم و هم محرومون من أبسط الوسائل؟ كيف يمكن أن نطلب من الأساتذة إيصال الدرس بأحسن شكل ممكن بينما هناك نقص شديد في المرافق الضرورية؟ إنه بنظري تعدي على حرمة العلم و قداسته. حين نستطيع أن نوفر ظروفًا ملائمة للتلاميذ، هناك يمكن لنا أن ننتظر مفاجآت و اكتشافات و ابداعات، لن يكون صعبًا على أبناء الأمة الجزائرية أن يصلوا لمراتب مرتفعة و يشاركوا في ندوات و ملتقيات علمية وطنية و دولية بل و الفوز بجوائز متعددة إن وفرنا لهم المحيط الملائم، لقد وصلوا أصلًا دون وسائل إلى مراتب لم نتخيلها يومًا فكيف إذا قمنا نحن بدورنا على أكمل وجه؟ أترك للقراء الأعزاء حرية التخيل، التوفير يدخل في ما أحب أن أسميه “شروط البحث العلمي”.

طالب ثانوى

مدرسة حكومية



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك