المدرس دائمًا على حق!

17 يناير , 2018

كنت في لجنة امتحان الرياضيات في الصف الأول من المرحلة الثانوية، حين اكتشفت خطأً في ورقة الامتحان.. أيدني وقتها عدد من زميلاتي في اللجنة؛ فطَلَبَتِ المدرسةُ المشرفة علينا من رئيس اللجان استدعاءَ المدرِّس الذي وضع الامتحان، وما هي إلا دقائق حتى جاء، وكان من الواضح تمامًا أننا أول لجنة تكتشف الأمر؛ لأنه بدا مستغربًا جدًّا وغير مقتنع بـ “احتمالية” وجود خطأ في الورقة من الأساس!

 

ما ضايقني حقًّا في ذاك الموقف كان عدة أمور: أولًا: رفض المدرس لمجرد النظر في الورقة وتقويم الخطأ الذي “أزعمه”. وثانيًا: سكوت جميع الطالبات عندما شهدوا ردة فعل المدرس الدفاعية خاصة وقد كان كبيرًا في السن، حتى أن المراقِبة أخذت تنظر إليهن لعل واحدة تؤيدني لكن دون جدوى؛ فما كان من المراقبة إلا أن ألحت على المراقب ـــ حين رأت إصراري على وجود خطأ ـــ أن يلقي نظرة سريعة على السؤال “المستعصي”.

 

وكما توقعتُ تمامًا، فما هي إلا ثواني قليلة قضاها يتأمل الورقة، حتى رفع رأسه وضحك ضحكة المهزوم المنتصر، وقال أخيرًا: “معك حق، هناك خطأ!” فابتسمَتْ المراقبة، واكتفيتُ أنا بابتسامة باهتة أجبرت نفسي عليها إجبارًا. وهكذا قام المدرس بتصحيح الخطأ واعتذر بعد أن برر الموقف بأن ابنه هو الذي كتب الورقة على الكمبيوتر، ولا ريب أنه أخطأ في نقل تلك المعادلة! “إذن، الخطأ وارد يا أستاذنا الفاضل” هكذا قلت في نفسي، وانصرف هو.

 

بغض النظر عن موقف زميلاتي المخزي والذي علَّقَتْ عليه المراقِبة بالتعبير عن خيبة أملها بعد انصراف المدرس، فقد أسِفْتُ بحق لموقف المدرس؛ فموقف الطلبة وإن كان مخزيًا، فهو مع الأسف ـــ إن تفكرنا ـــ يعكس منظومة فكرية خاطئة، وهو أن “المدرس لا يخطئ“، علاوة على أنه أعلم من الطلبة وأكثر إبداعًا وخبرة! وللأسف من تجربتي على مدار سنوات التعليم وجدت خطأ هذا الفكر السائد في معظم الأحيان، ولكن يبرز السؤال: ترى من يعترف بالعكس؟!

 

هل يعترف المدرسون الذين يرى كثير منهم أنهم فوق الخطأ، أو النقاش أو التعديل أو النقد؟! أو الطلبة الذين نشأ معظمهم على أبيات:

 

قم للمعلم وفه التبجيلًا                   كاد المعلم أن يكون رسولًا

 

فيقومون للمعلم ويبجلونه، وهو ما عاد ـــ في أحيانٍ كثيرة ـــ يرقى لمستوى المعلم ناهيك على أن يكون رسولًا؟! إننا في منظومة تعليمية معوجة ومنهارة على الجانبين: جانب المدرسين وجانب الطلبة.

 

وأنا في المرحلة الابتدائية أصرت إحدى المعلمات أن اسمي هو “تسليم”، وليس “تسنيم” وعندما أكدت لها أن اسمي هو تسنيم وأنه ورد في القرآن… قاطعتني وأخبرتني أني ما أزال صغيرة ولا أعرف كيف أكتب اسمي ولا بأس في ذلك، فها أنا أتعلم! وعندما جاء أبي ليوصلني في اليوم التالي، قابل المدرسة وأخبرها باسمي ومعناه، فكان أن اعتذرت لي لاحقًا. والكثير الكثير من المواقف والأمثلة التي تعكس تصغير كثير من المدرسين لرأي وكلام الطلبة.

 

في رأيي أن الآباء والمدرسين بحاجة لمحاربة ثقافة “أنا أعرف كل شيء لأني أكبر منك”، “أنا المعلم وأنت التلميذ” ، “أنا الأب وأنت الابن”، “أنت الأصغر، وأنت بالضرورة الأجهل!”.

لقد تم مهاجمة الكثير من الطلبة على مدار الأعوام الدراسية وحتى في الجامعة، لأنهم أبدوا فهمًا أفضل وأعمق من المدرس، أو امتيازًا ليس عنده، أو لمجرد أنهم أبدوا وجهة نظر ـــ ولو بطريقة راقية ـــ مخالفة لوجهة نظر “حضرة” المدرس!

 

إننا نعلمهم سيرة عمر رضي الله عنه وكيف ناقشته امرأة وهي خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها في قصة المَهْر، فكان أن قال: “أصابت امرأة، وأخطأ عمر”، فكانت بهذا من أشهر العبارات التي ننتصر بها إلى يومنا هذا نحن النساء للمرأة! فهلا انتصرنا بها للطلبة والأبناء والصغار طالموا أصابوا هم وأخطأ المدرسون أو الآباء أو الكبار؟! إننا نعلم الطلبة والأبناء احترام الكبير ونخبرهم أن هذا جزء من ديننا، ولكن ماذا عن العكس؟!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك