المعلم ليس “سوبرمان” !

15 يوليو , 2015

يلعب المعلّم دوراً أساسياً في المدرسة بجميع مستوياتها، فهو يُعتبر الوسيط المُباشر بين الوزارات المكلفة بالتعليم والتربية والتكوين، والتلاميذ، تلك الوزارات وظيفتها الرئيسية هي توفر المناهج التعليمية، القوانين التسييرية للمؤسسة التعليمية، والبرامج التكوينية كما تسهر على تنظيف الإمتحانات وغيرها. وحيث يعتبر التعليم العمود الفقري لكلّ أمة، فإن المعلم يجب أن يؤدي دوره كما يجب حتى تنجح السياسيات التعليمية.

بعض الدول التي تقدم لنا نماذج مثالية نوعاً ما عن التعليم تفهم بشكل جيد ضرورة الإهتمام بالمعلم لأنه حلقة الرّبط الأساسية وكلمة السّر المسؤولة عن نجاح أو فشل سياسة تعليمية معينة. لذلك نلاحظ أنها تسهر على توفير الظروف الملائمة للمعلم من كلّ الجوانب حتى تسهّل عليه القيام بوظيفته.

مع الأسف الشديد، هذا مثالي جداً ولا علاقة له بما يحدث على أرض الواقع في المغرب على سبيل المثال.

يعاني المعلم في المغرب من عدد هائل من المشاكل التي تحول بينه وبين النجاح في أداء مهمّته الشّريفة، إذ غالباً ما يختار البعض (ومن بينهم المسؤولون عن قطاع التعليم) تجاهل هذه المشاكل، ويكتفون بالحديث عن “ضمير المعلم” ويطلبون منه القيام بأكثر من واجبه دون النظر إلى الظروف التي يعيش فيها، ويمارس فيها وظيفته.

لعل المشاكل في المؤسسات التعليمية بداخل المُدن تظل محدودة جداً، وبالتالي يمكن الحديث عن مسؤولية المعلم في هذا المجال لأن ظروف العمل الدّنيا متوفرة نوعاً ما، لكن ما لا يجب نسيانه هُنا أن عدداً من المدارس المكوّنة للمنظومة التعليمية بالمغرب هي مدارس تقع خارج المُدن، بل في أوساط قروية ظروف العيش فيها متوسّطة وفي غالب الأحيان تقع في أماكن بعيدة جداً لا يمكن الوصول إليها إلاّ بشقّ الأنفس. على سبيل المثال هناك مدارس تقع في الجبال وسط المغرب حيث ظروف الحياة لا توصف، ويعاني سكّانها مشاكل بالجُملة، فكيف يمكن الحديث عن مدارس في ظروف مشابهة وأي سياسة تعليمية نرجوها لهذه المناطق ؟ أليس من المفارقة الحديث عن التعليم عندما تكون أدنى ظروف العيش وممارسة المهنة غائبة تماماً ؟

أثبت تقرير حديث لمركز أبحاث التعليم العالي التابع لجامعة شيكاغو الأمريكية أن المعلم بالمغرب يحتلّ المركز ما قبل الأخير في الترتيب العربي. حيث تبلغ أجرته 512 دولاراً أمركياً في مقابل أجرة تصل إلى 7030 دولاراً شهرياً للمعلم في دولة قطر. كما تحتل اليابان المرتبة الأولى عالمياً بأجرة 7780 دولار شهرياً للمعلم الياباني.

كيف إذن بعد ظهور تقارير مشابهة يخرج وزير التعليم المغربي أو أي مسؤول آخر عن القطاع ليتساءل عن سبب تدنّي مستوى التعليم بالبلاد ؟ هل هذه التقارير كلّها لا تكفي للوصول إلى الخلاصة النهائية والبحث عن حلول حقيقية أم أننا نتعمد تغطية الشمس بالغربال دائماً؟

قبل أشهر كان أحدهم يتحدث عن تدنّي التعليم بالبلاد وعن دور المعلم ومسؤولياته، حاولت أن أشرح له أن المعلم لا يمكنه القيام بدوره كما يجب في ظل انعدام شروط العمل الموضوعية والدّنيا التي تحفزّه لأداء الوظيفة في معظم المؤسسات التعليمية، لكنّ جوابه كان : يجب أن يحفزّه ضميره فقط!

عندها فهمت عمق المشكلة. الدول المتقدمة في التعليم مثل اليابان إذا تحدثت عن ضمير أخلاقي للمعلم فهي على حقّ تماماً لأنها توفر له كامل الشروط الموضوعية للعمل وبالتالي سيكون من السّخف أن لا يقوم بوظيفته، لكن أن تضع المعلم في ظروف سيئة يضطر في ظلّها إلى صرف أجرته كاملة على التنقل لأجل الوصول إلى مؤسسة العمل التي تبعد بكيلومترات عن المدينة والتي لا توجد طُرق معبّدة تصلح للتنقل عبرها إلى المدرسة، وأن تضعه في مدرسة غير منظّمة وتفتقر إلى الكهرباء أو الماء الصالح للشرب وتطلب منه أن يعيش فيها طيلة الأسبوع أو الشهر، بعض المعلمين الذين أعرفهم لا يستطيعون العودة لبيوتهم إلاّ خلال العطل الدراسية النادرة التي توفرها الدولة وتعتقد أن المعلم لا يستحقها لأنها تحرم التلميذ من الدراسة لفترة معيّنة وكأنه في الفترات التي يدرس فيها يحقق إنجازات عظيمة تخدم الوطن، أو كأن التلميذ في حد ذاته لا يحتاج للراحة من المقررات الدراسية الكلاسيكية التي تعتمد على الحفظ قبل كلّ شيء، وبعد ذلك كلّه تتحدث عن ضمير أخلاقي للمعلم قادر على تحفيزه.

كيف لمعلم يعمل طيلة الشهر بعيداً عن أبنائه وعن أسرته الصغيرة فقط أن يكون قادراً على تقديم أفضل ما لديه لأبناء الآخرين؟ يبدو هذا جنونياً جداً ولكن الأغلبية لا تستطيع تقبّله.

المعلم ليس سوبرمان!

إنه إنسان يحتاج ظروفاً ملائمة يقدم فيها كلّ ما لديه. بالفعل هو لا يطلب من الدولة أي شيء يفوق طاقتها، بل لا يطالب بحقوقه أصلاً لأن الدولة تحترف تهديد رجال التعليم باقتطاع مبالغ مالية من أجورهم كلّما حاولوا خوض إضرابات لأجل حقوقهم. وبالتالي أصبحوا يفضّلون الصمت بدل الصراخ الذي يؤدي لنتيجة لا يُنقذه منها أحد. لذلك تفضّل الدولة معاناتهم في صمت حتى لا يذكّرها ذلك كلّ يوم بخيباتها المتكررة، وكي تنام في ارتياح شديد في الوقت الذي ينهار فيه كلّ شيء بهدوء أيضاً. وكلّ هذا تحت ذريعة البحث عن مصالح التلميذ. وكأن الدولة تعرف مصالحه أكثر من المعلّم الذي يملك حياة تشبه حياة هؤلاء التلاميذ وحياة آبائهم.

الأكثر سوءاً في المسألة أن الدولة تمنع الموظفين من التسجيل في معظم الجامعات لإتمام دراستهم في مسالك مختلف بهدف تحسين أوضاعهم الإجتماعية المتردّية، وهذا أيضاً تحت ذريعة الحفاظ على مصالح الطلبة الذين لا يجدون مقاعد لهم في الجامعة. وكأنها حين توفر لهم المقاعد تسهر على توظيفهم ..

دائماً تستعمل الدولة فئات من الشعب كبيدقٍ تلعب به على رقعة الشطرنج كما تشاء لأجل تحقيق غاياتها.

للأسف، نحن نحاول عبر عرضنا لتقارير عن نماذج ناجحة للتعليم في دول متقدمة، وعبر تشخيصنا للمشاكل التي يعاني منها التعليم بالبلاد أن نلفت الإنتباه إلى ضرورة البحث عن الحلول العاجلة والخروج من هذا الصمت الذي يشبه مشهد النعامة التي تضع رأسها وسط التراب كي لا ترى الخطر المحدّق بها، ولكن لا أحد يصغي ولا أحد يتعلم من هذه التجارب الناجحة، لا توجد إرادة حقيقة في الوطن العربي لإصلاح التعليم.

الأحزاب تقدم برامج انتخابية مغرية ويصوت عليها المواطن ظنًا منه أنها ستصلح كلّ شيء، لكن ما إن تصل هذه الأحزاب للحكم حتى تلبس قناعاً لم يكن في الحسبان، وتبدأ في التعامل من جديد مع المواطن كأنه هو العدو وتنسى العدو الحقيقي الذي هو الجهل والمكرُ السياسي واستحمار الشعب.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك