ترسانة إجراءات أمنية وتنظيمية لإنجاح بكالوريا 2018 في الجزائر… فهل تفلح؟!

3 يونيو , 2018

أيام قلائل تفصلنا عن امتحان شهادة البكالوريا في الجزائر، هذا الامتحان الذي أصبح يشكل هاجسًا للسلطات العليا في البلاد، بسبب التجاوزات والفضائح التي عَرَفها في السنوات الأخيرة، خاصة سنتي 2016 و 2017، على الرغم من التعزيزات الأمنية التي جَنَّدَتها الوزارة لتأمينه من ظاهرة التسريب.

 

وتتوجس وزارة التربية والنقابات الفاعلة في القطاع من إمكانية تكرار سيناريو المواسم الماضية، خاصة بعد بروز مؤشرات توحي بإمكانية وقوع ذلك، حيث تفاجأ الرأي العام، منذ أسبوع، بتداول أسئلة الامتحان على موقع “فيسبوك” وذلك قبل لحظات فقط من بدء مسابقة اجتياز مرحلة نيل شهادة التعليم الابتدائي، السيناريو ذاته تكرر في امتحانات شهادة التعليم المتوسط، حيث تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي موضوع امتحان اللغة العربية بعد ربع ساعة من انطلاق الامتحان.

 

وللوقوف على الإجراءات المتخذة هذا العام لتجنب ما وقع في بكالوريا 2017، تُسَلِّط شبكة “زدني” الضوء على أهم ما جاء في الدليل الموجه للأساتذة الحراس.

 

تضييق الخناق على الأساتذة “الحراس”:

وحددت الوزارة الوصية، في الدليل الموجه للأساتذة الحراس، جملة من “الممنوعات” على الأساتذة الحراس، طيلة فترة إجراء الامتحانات الرسمية على رأسها البكالوريا، وتتمثل في تفادي قراءة الجرائد والكتب واستعمال الهاتف النقال والوقوف أمام المترشحين والسير في الممرات وعدم الانشغال بأي شيء آخر غير الحراسة خلال مهمة الحراسة.

 

وشددت على أن الأساتذة الحراس مسؤولون عن كل ما يقع داخل قاعات الامتحانات، ومنعتهم من التواجد في مكان واحد أو التحدث فيما بينهم، أو التحدث مع المترشحين أو محاولة التلميح إلى موضوع الاختبار، والسير في الممرات أو الوقوف أمام المترشح أو أمام الباب، واستدعت مصالح الوزارة الوصية أكثر من 128 ألف أستاذ من مختلف الأطوار لحراسة امتحانات البكالوريا المزمع تنظيمها في 25 يونيو / حزيران القادم.

 

وفي الشق المتعلق بالإجراءات التحضيرية على مستوى مديريات التربية، أمرت الوزارة الوصية مدراء التربية بتحصين مراكز توزيع الأسئلة بكاميرات مراقبة وتسجيل مع توفير الحماية الأمنية الدائمة لهما، لإجهاض محاولات تسريب مواضيع الامتحانات الرسمية، وشددت الهيئة المشرفة على بكالوريا 2018 على ضرورة حفظ المواضيع في خزانة حديدية توضع تحت تصرف رئيس المركز من لحظة استلامها إلى غاية توزيعها على الممتحنين.

 

وجاء هذا بعد أن كشفت التحقيقات الميدانية السابقة التي أجرتها وزارة التربية، عن تورط عدد معتبر من الأساتذة ورؤساء المراكز في عملية الغش، وذلك من خلال مساعدة التلاميذ على حل الأسئلة من جهة أو من خلال تصوير المواضيع ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي من جهة أخرى، فآلاف المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، تؤكد أن معلمين مكلفين بالحراسة مارسوا الغش دون وازع قانوني ولا إداري ولا أخلاقي.

 

وأقرت الوزارة الوصية عقوبات ستسلط على الأساتذة الحراس في حال ثبوت تورطهم في عملية الغش، تتمثل في حرمانهم من الحراسة مدى الحياة، وفي حال ثبت أنهم تسبَّبوا في الغش بنسبة 100٪ فسيتم توقيفهم نهائيًا عن التدريس في قطاع التربية، والعمل في أي قطاع آخر في التوظيف العمومي.

 

منع الزيارات الرسمية لتفادي التسريب:

وحملت الإجراءات التنظيمية على مستوى مديريات التربية تنبيهات جديدة، على غرار منع الزيارات الرسمية البروتوكولية لمراكز الإجراء التي يقوم بها عادة المسؤولون من ولاة الجمهورية ومنتخبون محليون وإطارات من مديريات التربية وغيرهم للإشراف على فتح أظرفة المواضيع وإعطاء إشارة انطلاق الامتحانات.

 

وجاء هذا القرار بعدما أثبتت التقارير الميدانية، أن هذه الزيارات الرسمية تساعد بشكل كبير على استفحال ظاهرة تسريب المواضيع المزيفة ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي خاصة “الفيسبوك”، في ساعات مبكرة من انطلاق الاختبار أي بعد عملية توزيع المواضيع بمراكز الامتحان باستخدام الهواتف النقالة الذكية.

 

تعطيل خطوط الهاتف وحظر الإنترنت

وكالعادة في محاولة لتجنب تسريبات مواضيع البكالوريا، ستلجأ وزارة التربية الجزائرية إلى تعطيل خطوط الهاتف والإنترنت على مستوى المؤسسة المعنية كإجراء طيلة فترة الامتحان، بما فيها الثكنات الوظيفية المنتشرة داخل المركز، ومن المرتقب أيضًا أن تلجأ السلطات العليا في البلاد إلى حجب الإنترنت وحظر الوصول إلى مختلف وسائط التواصل الاجتماعي على مدار خمسة أيام كاملة، وتنطلق فترة الحظر أو القطع ابتداء من الساعة السابعة صباحًا، أي  قبل انطلاق اختيارات البكالوريا، وتستمر حتى الخامسة مساءً مع انتهاء الاختبار بشكل يومي.

 

واستعانت وزارة التربية الجزائرية لتأمين بكالوريا 2018 بالمديرية العامة للأمن الوطني عبر مختلف مديريات التربية الخمسين المنتشرة عبر جميع ولايات الجزائر.

 

قرابة 18 ألف شرطي لتأمين البكالوريا

وكشف مدير الأمن العمومي، مراقب الشرطة عيسى نايلي، في مؤتمر صحفي، أنه تم تجنيد 18 ألف عون شرطة  لتأمين 208 مركز امتحان من أصل 2416، و14 مركز جمع من بين 18 وكذا تأمين 70  مركز تصحيح.

 

وكشف ذات المسؤول الأمني أنه سيتم إخضاع الديوان الوطني للمسابقات والامتحانات بالعاصمة (القبة) والديوان الجهوي بباتنة إلى متابعة عن طريق مركز القيادة والسيطرة بتجنيد 32 كاميرا لحراسة قاعات حفظ المواضيع، كما سيتم تفعيل نشاط المصلحة المركزية لمكافحة الجرائم المتعلقة بالإعلام والاتصال، ووضع تحت تصرف وزارة التربية الوطنية أجهزة تشويش لتفادي الغش.

 

وأقرت الوزارة الوصية إجراءات جديدة تتمثل في عدم السماح بمبيت المواضيع الامتحانات داخل مراكز الإجراء، فقد تم تخصيص أكثر من 60 غرفة لحفظ المواضيع على مستوى مديريات التربية، مجهزة بنظام مراقبة الكاميرات وجهاز تشويش يسهر عليها شرطي ودركي، وستخضع مواضيع الامتحانات لمواكبة أمنية دائمة إلى غاية تسليمها للممتحنين.

 

وتم تشكيل خلايا اليقظة والمتابعة، التي تضم فرقًا متخصصة في محاربة الجريمة الإلكترونية، تنحصر مهام هذه الهيئات في مكافحة الجرائم المتصلة بالإعلام والاتصال لرصد تحركات نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي على مدار خمسة أيام كاملة.

 

طرق متعددة والهدف واحد

وفي وقت دخلت وزارة التربية الجزائرية في سباق مع الزمن لتأمين بكالوريا جوان 2018، وتفادي تكرار سيناريو الدَّوْرات السابقة التي ستبقى محفورة كوصمة عار على جبين الحكومة الجزائرية، دخل ممتحنون في رحلة بحث عن أحدث أجهزة “البلوتوث المخفية”، ونشرت العديد من صفحات التواصل الاجتماعي “الفيسبوك” عروضًا مختلفة لهذه الأجهزة بمختلف أنواعها وبأسعار تتراوح بين 100 دولار و 150 دولار، ويعتبر هذا النوع من البلوتوث صغير الحجم ولا يمكن اكتشافه حتى بجهاز “السكانير”.

 

تلاميذ أجروا عمليات جراحية للغش!

فتحت وزيرة التربية الوطنية نورية بن غبريط، النار على بعض أولياء التلاميذ المتواطئين مع أبنائهم في عمليات الغش في الامتحانات، وكشفت عن طرق جديدة للتلاميذ في الغش باستعمال وسائل حديثة، بتواطؤ آبائهم، وهو ما برز من خلال كشفها عن واقعة قيام بعض أولياء التلاميذ بإجراء عمليات جراحية لأبنائهم على مستوى الأذن، وتركيب سماعات للغش في الامتحانات.

 

وقالت المسؤولة الأولى عن قطاع التربية في الجزائر، إنه سيكون هنالك تنسيق بين وزارتي التربية والداخلية لمنع تكرار تسريب أوراق الامتحانات، موضحة أن التنسيق لن يقتصر على الوزارتين، بل سيشمل الولايات، بمساهمة مديري التربية والولاة.

 

ودعت المتحدثة إلى ضرورة الابتعاد عن استعمال التكنولوجيات الحديثة ومحاولة الغش، قبل أن توجه نداء إلى أولياء التلاميذ من أجل تحسيس أبنائهم بخطورة أي فعل يعرض صاحبه لعقوبات مشدَّدة.

 

من يقف وراء إغراق السوق بأجهزة الغش؟

ويؤكد رئيس جمعية أولياء التلاميذ علي بن زينة، في تصريح لشبكة ” زدني ” إن الإدارة القائمة على التعليم في الجزائر، هي المسؤولة عن تفشي ظاهرة الغش، فكيف يعقل أن يلجأ تلميذ يبلغ من العمر عشرة أو تسعة سنوات إلى الغش، فأغلب المتورطين هم مديرون هدفهم الوحيد هو رفع نسبة نجاح التلاميذ.

 

ويرى علي بن زينة أن وزارة التربية بإعلانها عن تسخير 62 ألف شرطي لتأمين الامتحانات الرسمية، تمارس ضغوطات كبيرة على نفسية التلاميذ، وتساءل المتحدث قائلًا: “لما لم تفتح السلطات العليا في البلاد تحقيقًا لمعرفة من يقف وراء إغراق السوق عشية الامتحانات الرسمية بالأجهزة المتطورة التي تستعمل في الغش، فهذه القضية تتحملها كل من وزارة الداخلية والسلطات الأمنية في البلاد.”

 

ويرجع المتحدث أسباب انتشار ظاهرة الغش في الامتحانات الرسمية، إلى تطبيع الفعل أي الغش منذ بداية  الموسم الدراسي وعدم ترسيخ الجانب الديني في ذهنية التلميذ الذي يوازي هذا الفعل وأيضًا الضغوطات الكبيرة التي يتعرض لها التلميذ في حال تحصله على نتائج سلبية وعدم مرافقة الأولياء لأبنائهم معنويًا.

 

المناهج المدرسية وراء تفشي الظاهرة  

ويرى المكلف بالإعلام والمتحدث الرسمي باسم المجلس الوطني المستقل لمستخدمي التدريس للقطاع ثلاثي الأطوار، مسعود بوديبة، في تصريح لشبكة “زدني” إنه من بين الأسباب الرئيسة التي ساهمت في تفشي ظاهرة الغش في الامتحانات الرسمية خاصة امتحان شهادة البكالوريا، الضغوطات الرهيبة التي يعيشها التلاميذ من خلال التغييرات التي مست المناهج والبرامج دون تحضير ودون تكوين، إضافة إلى التوظيف الخارجي الذي أصبح أصلًا وليس استثناء.

 

ويضيف مسعود بوديبة أن الاعتماد على منظومة تقييم لا تتوافق والمقاربة الجديدة التي انتهجتها الوزارة الوصية في السنوات الأخيرة، والتي تشجع على الدروس الخصوصية أكثر من ارتباط التلميذ بالقسم والأستاذ، وتجريد الهيئة البيداغوجية من سلطتها كإلغاء البطاقة التركيبية والمداولة، التي أسهمت كثيرًا في انفصال التلميذ عن المؤسسة، ويرى مسعود بوديبة أن تعامل الوزارة الوصية تتعامل مع التكنولوجيا بطرق لا تتوافق إطلاقًا مع التطورات الأخيرة التي عرفها هذا المجال، لكن يبقى هذا مصدره ليس داخل المركز وإنما مصادره خارج المراكز، وبخصوص ظاهرة التسريبات التي حصلت في السنوات الماضية، يرى المكلف بالإعلام والمتحدث الرسمي باسم المجلس الوطني المستقل لمستخدمي التدريس للقطاع ثلاثي الأطوار إنها تحمل عديدا من الشكوك، والدليل على ذلك إلى اليوم يجهل الرأي العام من يقف وراءها وأسبابها.

 

ويقول القيادي البارز في الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، هوار قدور، في تصريح لشبكة “زدني” إن: “ظاهرة الغش في الامتحانات الرسمية تعد من أخطر الظواهر، التي تعاني منها الكثير من دول العالم ومنها الجزائر، نتيجة لعوامل عدة منها المناهج المدرسية التي تعتمد على الحفظ بدل الفهم، وعدم تدريب التلميذ على الاعتماد على الذات في الأطوار الدراسية الثلاثة”.

 

ويرجع المتحدث أسباب استفحال ظاهرة الغش في الامتحانات الرسمية رغم التعزيزات الأمنية التي تسخرها الوزارة الوصية، إلى وجود نوعين من الغش، الأول هو عبارة عن غش جماعي مثلما حصل في بكالوريا 2016 و 2017، وكذلك سنة 1992، في عهد الوزير الأسبق على بن محمد، فكانت هناك تسريبات للأسئلة حتى قبل إعدادها ونسخها على الأوراق، أما النوع الثاني فهو غش فردي، فهذه الظاهرة تعاني منها أغلب دول العالم الثالث ومنها الجزائر، بسبب اعتماد النظام التعليمي على “الحشو”.

 

وحمل هواري قدور أطرافًا رفض الكشف عن هويتهم المسؤولية قائلًا إنها تقف وراء تسريب أسئلة الامتحانات الرسمية، أغلبهم مقربون من وزارة التربية وكذلك من مسؤولي اللجان المختصة لإعداد المواضيع، ويرى المتحدث أن الحل ليس في قطع الإنترنت بل على وزارة التربية انتهاج الأسئلة الصغيرة التي تفوق على الأقل 40 سؤال في كل مادة حتى يصعب على التلميذ اللجوء إلى الغش.

 

مخاوف من تكرار سيناريو 2017

وتوقعت من جانبها النقابات المستقلة لقطاع التربية، إمكانية تكرار سيناريو التسريبات بالنظر إلى التسريبات التي حدثت خلال امتحانات شهادة التعليم الابتدائي والمتوسط، وطالبت الوزارة الوصية بفتح تحقيق موسع داخل وخارج إطار مراكز الامتحانات، وتسليط أقصى العقوبات على المتورطين في هذه الجريمة.

 

وتوقع المنسق الوطني للنقابة الجزائرية المستقلة لأساتذة التعليم الثانوي والتقني، مزيان مريان، في تصريح لشبكة “زدني” تكرار السيناريو نفسه الذي شهدته دورة بكالوريا 2016 و2017، في حال عدم تحرك الوزارة واتخاذ الإجراءات الردعية اللازمة في حق المتورطين في قضية تسريب مواضيع الامتحانات، ويقول المتحدث: “إن هدفهم الوحيد هو التجارة في المواضيع”.

 

وكانت وزيرة التربية نورية بن غبريت، قد أكدت أن مصالحها سخرت كافة الإمكانيات البشرية والمادية للتصدي لظاهرتي الغش والتسريبات في امتحانات الباكالوريا لدورة جوان 2018.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك