تلاميذنا وأزمة التخصص

2 مارس , 2015

نحن اليوم تفصلنا ربما أشهر معدودة على دخول دفعة جديدة للجامعة، هذه الدفعة التي ستكون، في الأسابيع القليلة المقبلة، مطالبة باختيار تخصص تدرسه لسنوات قادمة.. أو لنكن أكثر وضوحاً، ستكون مطالبة باختيار الطريق الذي ستسلكه في حياتها. لا يخفى على أحد أهمية التخصص في حياة الأشخاص، بل لن أكون مبالغا إن قلت أن التخصص هو من سيحدد من أنت؟ وماذا ستفعل؟ وهل ستنجح وتكون مبدعاً أم أنك ستنتمي لتلك “الأغلبية العادية” التي تسير وفق روتين معين لا يختلف، ولن يفعل!

لا شك أعزائي أن مرحلة اختيار التخصص هي من أصعب المراحل في حياة التلميذ، ولا ينكر عاقل أن هذه المرحلة يصاحبها اضطرابات نفسية عديدة قد تنتهي بما لا يحمد عقباه فقط لأن التلميذ عادة يريد شيئا، والآباء رغبتهم لا تحيد ولا تخرج ولا تتزعزع عن تخصصين أصبحا قبلة جل المتفوقين اليوم هما: الطب والهندسة! نعم، إن أبناءنا اليوم يعيشون بين نارين، نار تخصص حلموا به وأرادوه عنوانا لمسيرتهم المهنية، يرون أنفسهم فيه ويعرفون أنهم أهل له، وبين تخصص أراده آباءهم، وسعوا منذ الصغر لإدخاله (قهراً في بعض الأحيان) إلى رؤوس أولادهم، وكأن التلميذ لا خيار له، بل هو مسير لا صوت يملكه.

إن مشكلة إختيار التخصص واتجاه معظم المتفوقين إلى التخصصين المذكورين أعلاه ليس نتيجة صدفة من الصدف، بل هو راجع لعدة عوامل لعل من أهمها أننا لا نعلم أجيالا قادرة على اتخاذ القرارات بل نحن نسعى لتكوين تلاميذ لا تسمع منهم إلا جملة “نعم ثم نعم!”. تلاميذنا نجبرهم على القبول دون نقاش، نتخذ القرارات لسنوات نيابة عن أبناءنا ثم فجأة نطالبهم باتخاذ أهم قرار في حياتهم، وكأننا ربيناهم على ذلك ولم نربهم على الطاعة العمياء.

إن المجتمع يلعب دوراً كبيراً أيضا في عملية توجيه التلاميذ، فالصورة الغالبة اليوم هي أن من درس الطب أو الهندسة (أو الطب وحده في بعض المجتمعات) هو إنسان سينجح دون شك.. بالمقابل، وفي رد على من يؤمن ويصدق هذه الصورة، فهناك حالات كثيرة لأناس درسوا العلوم الإنسانية واليوم هم ناجحون وتستضيفهم جامعات مرموقة لكي يقوموا بمحاضرات لديها، وهناك من جهة أخرى أناس أفنوا حياتهم في دراسة الطب أو الهندسة لكن لا ينتمون، بأي شكل من الأشكال، إلى تلك النخبة المبدعة بل هم أناس روتينيون يقومون بعملهم وكفى.

إن مفترق الطرق الذي يوضع أمامه التلميذ اليوم لن يساعد على تكوين نخب قادرة على النهوض ببلدانها، المشكلة أننا نعتقد أن الأهم هو أن يدرس الطفل تخصصا مرموقا بينما الأهم هو أن يكون مبدعاً في تخصصه.. نحن نحتاج إلى أطباء ومهندسين، لكن حاجتنا إلى كوادر مبدعة في مجالات أخرى أكبر وأكبر، نحتاج إلى أناس قادرين على صناعة الفرق في كل قطاع. الأمم تبنى بكوادر وكفاءات في كل القطاعات، وليس بنوابغ في قطاع معين وغياب تام لأشخاص مؤهلين في قطاع آخر.

مطالبة التلميذ باختيار تخصصه في أسابيع قليلة، بل وربما في أيام قليلة سيؤدي إلى ضياع مواهب كثيرة. التلاميذ اليوم يخافون من عملية الاختيار لأنهم لا يعرفون الكثير، وبعضهم لا يعرف شيئا، عن التخصصات الموجودة.. هناك أسماء لتخصصات معينة قد يسمع بها التلميذ لأول مرة أسابيع قليلة قبل دخوله للجامعة، بل وقد يدخل للجامعة وهو لا يعرف أن هناك تخصصا معينا متوفراً في بلاده. عملية التوجيه في بلداننا سيئة جداً فلا توجد متابعة للمواهب، ولا يوجد استغلال للقدرات، نحن نعمل ليل نهار على تحطيم النوابغ بطرق لعل أهمها بعث هذه النوابع إلى تخصصات لم ولن تكون مكانها المناسب.

يجب على الآباء أن يتفهموا رغبة أبناءهم.. أيها الأولياء، لا تجبروا أبناءكم على تخصصات لا يرغبون بها، فلعلكم، إن تركتموهم وما شاؤوا، سيستطيعون أن يصلوا لمراكز لم يكونوا ليحلموا بها لو اختاروا ما أردتموهم أن يختاروا! ويا أيها المجتمع، كفاك تهميشها للكفاءات والمواهب، كفاك حصراً للتخصصات في ميدان الطب والهندسة (مع كل احترامي وحبي لهذين التخصصين) فهناك مئات بل ربما الآلاف من التخصصات التي لها رجالها المناسبون الذين سيختارون (قهرا وبتدخلك أيها المجتمع) تخصصا ليس لهم ولن يكون كذلك!

اختاروا أعزائي الطلبة ماتشاؤون، فهي حياتكم وأولياءكم لا يريدون إلا أن يروا تفوقكم فيما تحبونه.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك