تُبنى السجون وتُهدم المدارس!

19 يونيو , 2014

الدول النامية لم تصل بعد للمستوى الذي يسمح لها بصرف مبالغ مالية هائلة على التعليم والبحث العلمي والتكوين، لا زالت في صراع مع اقتصاد استهلاكي بالدرجة الأولى، كما أن وزراء التعليم في الغالب لا يملكون أفقًا نظريًا بعيدًا، وإن كانوا يملكونه فإنهم لا يرون أن الإستثمار في مشاريع تعليمية وعلمية سيدر الربح الكثير على وزاراتهم.

مجانية التعليم الجامعي في المغرب مثلًا  بدأت توضع على المحك، حتى أن هناك مصادر صحفية تقول بأن وزير التعليم يريد فرض مبلغ 2000 درهم على كلّ طالب لقاء ما يتلقاه من خدمة تعليمية في الجامعة، كما يقول بأن هذا المبلغ رمزي جداّ بالمقارنة مع ما تصرفه الوزارة في هذا الميدان. لا يخفى على الجميع أن الأمر سيثير ضجة عارمة، خصوصًا أن الطلاب لديهم وعي كامل بمخاطر الخوصصة على الطبقات المتوسطة والفقيرة، حيث تسعى لجعل ممتلكات الدولة في أيدي الخواص، وبالتالي تسمح بتحقيق أرباح طائلة.

المشكلة إذن تتفاقم ولا تسير نحو الإصلاح، إذا كان الطالب يطالب بأن تصرف الدولة المزيد من الأموال على البحث وتطوير التعليم بالبلاد، لكي تأتي هذه الأخيرة وتطالبه في النهاية بأن يدفع هو من جيبه، فهذا يزيد الطين بلّة، ويؤكد نظرية كون الدولة تعرف ما يجب فعله لكنها لا تزال تعاني من الجشع ولا يهمها مصلحة طبقات الشعب.

من جهة أخرى تثبت سياسة الإقصاء التي تمارس على من يفشلون في الدراسة لسنوات متتالية أن الدولة لا ترغب في تحمل المزيد من النفقات، كل ما تسعى إليه هو تحقيق أرباح وإن لم يمكن ذلك فالهدف هو تقليص الخسائر. وهنا مشكلة عميقة في تكوين المجتمعات العربية، وهي أن الحكومات لا تنظر إليها من منطلق أنها طاقات شبابية يجب تكوينها لخدمة البلاد، بل تنظر إليها على أساس أنها عبء على كاهل الدولة ويجب التخلص منه بأية طريقة. وهذا ما يفسر الكثير من الأمور إذا ما قمنا بربطها بالواقع ككل.

يجب ملاحظة أن أغلب المجرمين لم يتخرجوا من المدارس ولا من المعاهد، بل كانوا نتيجة الفشل الدراسية لأسباب قد تكون ذهنية أو اجتماعية في الغالب، معظمهم ضحايا ما يسمى “الهدر المدرسي”، إما أن آباءهم رفضوا مواصلة تعليمهم لحثهم على مساعدتهم في تدبير لقمة العيش، أو أنهم لم يجدوا في التعليم مكانا لهم. وبالتالي يرحلون عن المدرسة نحو الشارع، هناك حيث تبدأ مدرسة التشرد والضياع من كل ناحية. وطبعا هؤلاء جميعا مآلهم السجن. فإذا كانت الدولة تقتصد مصاريف تعليمهم في البداية كيف لا تنتبه إلى أنها ستجد نفسها أمام سجناء يجب الإنفاق عليهم أيضا في سجون الدولة؟

إنها مسألة سوء تدبير من طرف الحكومات. إذا كان المثل يقول: من بنى مدرسةً هدم سجنًا، فإن الواقع يقول غير ذلك.

نحن نعيش تحت ظل حكومات تبني السجون وتهدم المدارس. تبني الحانات وتهدم مراكز البحوث. وكلّ ما يهمها هو تحقيق الأرباح ولو على حساب وعي الشعوب وصحّتها وسلامتها العقلية والبدنية.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك