حصص الاحتياطي وساعات مُهدَرَة، وحصص النشاط المُهمَلة!

22 مايو , 2018

ما كان أكثرها حصص الاحتياطي تلك، التي طالبتنا فيها المدرسات بالسكوت والجلوس في مقاعدنا في هدوء بلا حراك ولا إزعاج، حتى يقمنَ هنَّ “باستغلال الوقت”، وتصحيح الأوراق، أو التحضير…إلخ! بل وأحيانًا، كُنا نُترك بلا مدرسات بالمرة، وتبدأ كل واحدة من الطالبات في عمل ما يحلو لها: فمن تَدرُس، ومن تتحدث مع زميلاتها، وتجتمع أخريات ليكتبن على السبورة أو يلعبن ألعابًا.

 

المهم أن كثيرًا من الساعات والأوقات كانت تُهدر بالنسبة لنا، وتحسب علينا في الوقت ذاته من قبل أولياء الأمور. ففي نهاية المطاف، من المفترض أننا نمضي هذا الوقت في المدرسة لنتعلم، ولكن ينتهي الأمر بإهدار الكثير من الساعات يوميًّا.

 

حلٍ عملي مُقتَرح: حصص النشاط:

في مدرستي الإعدادية، كان هناك ما يسمى بحصة النشاط، وكانت مقررة عندنا في الجدول لتضم أربع حصص مقسمات على يومين. وهكذا في كل أسبوع توجد أربع حصص لممارسة “النشاط” الذي يريده الطالب. فما هي الأنشطة التي كانت متاحة آنذاك: كانت الاشتراك في نشاط المكتبة، أو الاقتصاد المنزلى: (الطبخ أو الخياطة)، أو الرسم، أو الكمبيوتر، أو المسرح.

 

المشكلة أنني لا أذكر عدد المرات التي مارسنا فيها النشاط لقلَّتها. فرغم أن الحصص كانت مقررة في الجدول، وكنا ننطلق فيها للمارسة الأنشطة فعليًّا، إلا أننا كنا نجد المُدرِّسة غائبة في كثير من الأحيان، أو يشغلها أحد المدرسون (لإنهاء المنهج)، أو لا يتم فيها ممارسة النشاط، لعدم توافقها مع جداول المدرسات المسؤولات عن الأنشطة.

 

لكن رغم انهيار الفكرة أثناء التطبيق لسوء الإدارة، فإن هذا لا يعني خطأ الفكرة بالكامل. خاصة وأن تخصيص وقت لها كان متاحًا في الجدول (وهذا الأمر هو في الغالب ما يشكل العقبة في المدارس). كما أن كثيرًا من مدرسي تلك المواد يكون عندهن فراغ في كثير من الأوقات، لأن توزيع تلك المواد لا يكون بنفس ضغط المواد الأساسية. بل كثيرًا ما يكن هن المسؤولات عن حصص الاحتياطي. فلماذا إذن لا يستغللنها في تعليمنا نحن الطلبة مهارات جديدة ومفيدة، ناهيكم عن الفوائد الجمة التي يمكن تحصيلها.

 

الفوائد التي تعود على الطلبة والمجتمع من تطبيق هذا الأمر:

 

اكتساب مهارة، وإتقان صنعة:

فالأنشطة وخاصة التي يعتبر منه مهارة أو حتى مهنة كالرسم والكمبيرتر، يساعد الطالب على تحديد ما يميل إليه من أعمال، وعلى شغل وقت فراغه بما ينفع، وصقل تلك الموهبة في إجازة الصيف حين يتوفر وقت أكبر. كما أن ممارسة الأنشطة المختلفة تساعد الطلبة على تحديد العمل الذي يرغبون في ممارسته مستقبلًا ولو بدرجة بسيطة.

 

هذا عوضًا عن أن ممارسة الأنشطة يزيد عدد المهارات المختلفة التي يكتسبها الإنسان. كما تعينه تلك الأنشطة على إتقان مهارة، أو امتهان صَنْعة. فنحن في مجتمع يعاني بشكل كبير ومثير للرثاء من أُحاديِّي الصنعة (الذين يتقنون مهارة أو عملًا واحدًا فحسب). وهذا من شأنه أن يسبب مشكلة في التنقل بين الوظائف المختلفة، أو الحصول على أخرى جديدة، إذا ما أُغلِقت شركة، أو كسد سوق وظيفة، أو تعذر العمل في مجال معين لأي ظرف من الظروف.

 

ومن القصص الطريفة التي رُويت لي في هذا الأمر، هو أنه حدث من عدة عقود مضت، أن سافر بعض الطلبة العرب من الأطباء لإكمال دراستهم والعمل في “لندن”. ولما كانت المعيشة والدراسة باهظتي الثمن آنذاك، اضطر كل واحد من هؤلاء الطلبة للقيام ببعض الأعمال الجانبية.

فما كان من معظمهم إلا أن اختار العمل في المطاعم، فقاموا إما بغسل الصحون أو تنظيف المكان. وذلك لأنهم ببساطة لا يتقنون عملًا آخر غير ممارسة الطب! إلا أنَّ راوي القصة أخبرني أنه هو مثلًا كان يحسن الكتابة فعمل في الكتابة في أحد الصحف، وكان له زميل حسن الخط، فعمل خطاطًا. نَخلُص من هذه القصة إذن أن تنوع المهارات لا شك مفيد في الحياة العملية، كما أنه يفتح فرصًا وآفاقًا أبرح وأوسع.

 

ربات منزل مُتقِنات:

أذكر أننا كنا نمضي أوقاتًا كثيرة في المدرسة في “المطبخ” أو “مشغل الخياطة”، ولكن الفائدة التي عادت علينا كانت قليلة للغاية. ذلك أننا كنا نمضي معظم الوقت في دراسة الطبخات وأساليب الخياطة “نظريًا” رغم أنها علوم عملية في المقام الأول! وفي رأيي، أنَّ استغلال حصصٍ كهذه، وبالكثافة التي مُنحت لنا، كان من الممكن أن تُخرَّج الكثيرات من ربات البيوتات المُتقِنات، بدلًا من المواقف المحرجة والمُرهِقة التي تجد الكثيرات فيها أنفسهن، إذا ما تزوجن وشرعن بالطبخ، أو قررن الخياطة! سيَّما إذا ما وضعنا في الاعتبار كمية الأموال التي تُنفَق على التجهيزات سواء في مطبخ المدرسة، أو في المشغل حتى يكون متاحًا للطلبة فرصة التعليم والتطبيق العملي.

 

أوقات ضائعة وطاقات مهدرة، ثم إنذار بعدم وجود الكفاءات والمهارات المطلوبة إذا ما تعلق الأمر بالحياة العملية أو سوق العمل. لكن الحقيقة المُرَّة يعرفها ويدركها جيدًا الطلبة أو “ضحايا” الطاقات المبعثرَة والإمكانيات المهدرَة، والمُؤسف أنهم هم من يدفعون الثمن دون غيرهم!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك