هل تُدرَّس اللَّغة العربيَّة … بالفصحى؟!

28 فبراير , 2017

لماذا تدريس العربيَّة بالفصحى؟!

لأنَّ الحقيقة العلميَّة تؤكد ألا سبيل أفضل من تطبيق أيِّ مادة بصورة عمليَّة، بغرض توصيلها للطَّلبة. مثل هذا الأمر يعتبر بديهِيَّا، حين يُشار للمواد العلمية كالكيمياء، فتجربة علمية تُغني عن آلاف الشروحات. ولكن ماذا عن المواد النظرية، كاللُّغات مثلًا؟ أفلا يكون فهم اللُّغة أكثر يسرًا، حين يكون تفاعليَّا؟

ولإدراك معظم الجهات التعليمية لتدريس اللَّغات حول العالم، بفعاليَّة أسلوب التطبيق العمليّ، تمَّ تفعيل ما يسمَّى علميَّا بـ “الطريقة المباشرة” في تعليم اللُّغة. وهي تعتمد في المقام الأول على تعليم اللغة الجديدة “المستهدَفة”، من خلال التواصل باللُّغة “المستهدَفة” ذاتها. ومثال ذلك : نجد حاليَّا الكثير من مراكز تعليم اللَّغة الإنجليزية لغير الناطقين بها، تحرص على تعليم الإنجليزية من خلال “إلزام” المعلِّمين والدَّارسين بالتواصل بها، ومنع استخدام الُّلغة الأمّ في التعلُّم كلغة “وسيطة”! وذلك لما رأوا من فعالية هذه الطريقة في سرعة استيعاب الطلَّاب للغة الجديدة، من خلال استخدامهم إيَّاها أثناء العمليِّة التَّعليمية.

فما بالنا إذا طُبِّق هذا الأمر مع اللِّغة الأم “العربيَة” على وجه الخصوص؟! أَوَلَيْس من العار أن نجد طلبة جامعيِّين من “العرب” يُتقنون اللَّغات الأجنبية، ولكن عندما تطلب من أحدهم التحدَّث بـ “العربية”، يقف عاجزًا ؟! وإن حدث وحالفه الحظُّ ببضع كلمات، فإنه لا مفرَّ من لحنٍ هنا، أو خطأٍ نحويٍّ هناك! والاسثناءات موجودة لا ريب، بيد أنَّها قليلة ومعدودة لشديد الأسف!

تجربة عملية ناجحة

حين كنتُ وزميلاتي في الصف الثالث الإعدادي، قامت بتدريسنا اللغة العربية معلِّمة من طراز خاص، حيث قرَّرت تدريسنا اللَّغة العربية بالفصحى! أذكر حينها الاعتراضات “العلنيَّة”، بحجَّة أن اللَّغة العربية “صعبة” بما فيه الكفاية! كنت من القليلات اللَّاتي راقت لهنَّ الفكرة، فالمادَّة في النهاية هي مادة اللغة العربية! على أيّ حال، فإنَّ الأستاذة كانت مصرَّة على رأيها، وكانت ترى ألَّا بُدَّ من كسر هذا الحاجز بيننا وبين لغة القرآن. وأكدَّت المدرسة أنَّ الأمر ليس مستحيلًا ولا مستعصيًا، وإنما كأي تجربة جديدة تحتاج لفترة حتى يتمكَّن الإنسان من التأقلم عليها.

ولما لم تجد معظم الطالبات مفرًّا من خوض التجربة، حاولن المساومة حول دروس النَّحو. ففاجأتهم المعلمة ــ مرةً أخرى ــ أنَّها إنَّما نوت تدريس اللَغة العربية بالفصحى، خصِّيصًا ليشمل هذا الأمر حصص النَّحو! وهكذا، ذهبت كل المداولات أدراج الرِّياح. غير أنَّني أذكر أن المعلِّمة لمَّا رأت الهزيمة في عيون الطالبات، قرَّرت عقد اتفاق، مفاده أنها ستقوم بشرح حصة في “النُّصوص” باللغة العربية، وأخرى في مادة النَّحو. وإذا ما واجهتنا صعوبة في الفهم، عادت لتشرح الدُّروس باللَهجة العامِّيَّة، تمامًا كما اعتدنا من مدرسي اللغة العربية على مدى سنوات دراستنا!

الحصة الفاصلة

سارت أوَّل حصة للنُّصوص على خير ما يرام. وأشعلت تلك المدرسة بتجربتها الفريدة بريق أمل. كما نجحت في كسر حاجز الخوف من عدم فهم الفصحى! وغدت حصة اللغة العربية مميَّزة وممتعة، وكنَّا ننتظرها بفارغ الصبر. فالأمر لم يتعلَّق بشرح الدَّرس بالفصحى، والتحدُّث بها أثناء الشرح فحسب، بل تجاوز ذلك إلى طريقة التدريس نفسها.

فإذا كان النصُّ المقرَّر مسرحية مثلًا، كنَّا نقوم بتمثيلها في الفصل! وذلك بدلًا من القراءة العابرة السطحية التي باتت تغلِّف معظم حصص النصوص، وربما ما زالت حتّى وقتنا هذا. حتى القصة التي كانت مقرَّرة علينا آنذاك، قد قمنا بتمثيل أجزاءٍ منها. ولا ريب أنَّ هذه الطريقة التفاعلية كانت سببًا في تذكُّرنا لتلك الحصص، وهذه المدرِّسة على مرِّ السنين.

حصة النحو، والتحدَّ المُنتَظر

ولم تخيِّب حصة النَّحو آمالنا، فقد كانت المعلمة تحرص على ضرب الأمثلة وحلِّ الأسئلة أثناء الشرح، حتى تتأكَّد أن الجميع فهموا الدرس. كانت للأستاذة “أسرار” نحوية، و”مداخل” ذكية لفهم الدُّروس المعروفة بصعوبتها عادةً: كتمييز العدد، والممنوع من الصَّرف، وغيرها.

    وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على ذلك الشرح، وتلك الحصص الممتعة، فإنني لا أكاد أمرُّ على تمييز للعدد في قراءاتي، ولا ممنوع من الصًّرف، إلا وخطرت في بالي حصص النحو تلك. وأتذكَّر ساعتها بعض الأمثلة والمواقف ولكأنَّها حاضرة اليوم. مدرِّسة واحدة إذن استطاعت بـ “التجربة العمليَّة” تغيير فكر رسخ في أذهان طالبات مدرستنا ــ وغيرهن كثير ــ على مدار الأعوام، وصرنا بعدها نتغنَّى بدروس اللغة العربيَّة التي فهمناها  بالفصحى!

سيفيدك الاطلاع على

تعليم النحو بين روح الشيخ ودرجات المدرسة



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

[…] آنفًا في مقال “عندما تُدرَّس اللغة العربية بالفصحى“، بأن معلمتنا للغة العربية في المرحلة الإعداداية […]

د.حاتم الأنصاري منذ سنة واحدة

بارك الله في أستاذتك، وبارك فيك.

أضف تعليقك