خدوجة: “أشعر أني أعطيت لتونس أكثر مما أعطتني”

6 مارس , 2016

كلماتها تتردد إلى اليوم على مسامعي، كأنها أمامي تعيد ما قالته مرارًا وتكرارًا، تدفعني إلى طلب العلم دفعًا.

كنت متجهة إلى قاعة الدرس بالمدرسة القرآنية لأحضر حصتي الأسبوعية المعتادة وإذ بآنسة في العشرينات من عمرها تناديني لتسألني عن المسؤولة هناك. توجهت معها إلى مكتب المديرة وشدني حديثها فجلست أستمع إليها.

 

“أنا تلميذة في السابعة والعشرين من عمري أدرس في برنامج محو الأمية في جمعية ثقافية قريبة منكم هنا وقد أغلقتها  السلطات الأمنية مؤخرًا، منذ أسبوع كامل، أسبوع مرّ علي ولم أحضر أي حصة، هدى الله والديّ، لم أدرس بسبب الظروف المادية الصعبة التي عشناها وكنا نسكن في  منطقة بعيدة عن العاصمة، لم أسمع عن الدراسة ولا عن المدرسة يومًا واضطررت لأشتغل منذ أن كنت في سن مبكرة.

واليوم بدأت أتعلم الحروف وأقرأ الكلمات وحفظت السور القصيرة من (جزء عمّ). ما ذنبنا نحن التلاميذ حتى يغلقوا لنا جمعيتنا ويحرموننا من طلب العلم؟

حسنًا، أغلقوها أسبوعًا كاملًا، أليس هذا عقابًا كافيًا؟ على أمر لا نعلمه؟

أنا لست مستعدة لخسارة أسبوع آخر بدون دراسة. أنا أراجع يوميًا دروسي في البيت وأفتح كتبي وكراساتي وأذاكر لأنني عازمة على تعلم القراءة والكتابة وتعويض ما فاتني. أنا جئت إليكم ألتمس حلًا، هل من الممكن أن تخصصوا لنا حصة هنا؟

سأتصل بالمعلمة وكل النساء اللاتي يدرسن معي، هم كبار في السن يتعلمون ببطئ ولكن لا أدري لماذا لم يطالبوا بحقوقهم؟ اعترضتني زميلتي وهي امرأة مسنة في السوق الأسبوعية أمس، وسألتها عن مصيرنا كمتعلمين، بدت لي لا مبالية.

أتعلمون؟ أنا مستعدة للذهاب إلى أخر نقطة في تونس، أذهب إلى بن قردان (منطقة في الجنوب التونسي) لو تطلب مني الأمر، لأدرس وأتعلم.

إنه العلم، أغلى ما يتمنى المرئ أن يحصل عليه ويحصّله، وهذا ليس بالأمر السهل… إنه يتطلب عزيمة وسعيًا لا تلاميذا مكتوفي الأيدي في بيوتهم ينتظرون ما سيحدث بعد الذي حدث.

ما الذي سيحدث؟ ستغلق جمعياتنا ومدارسنا القرآنية لأسباب واهية خوفًا من الإرهاب؟

أي إرهاب نمارسه أو نتلقاه؟ نحن مجوعة من الأميات تعلقت آمالنا بتلك الحصة اليومية التي تمحو عنا جهل سنوات، لا تتخيلون فرحتي يوم تمكنت من تهجئت سورة الفاتحة. أعلم أني أطلت عليكم، آسفة على الإزعاج ولكني لا أريد غير حل لمشكلتي هذه.

أنا أفكر في أن أجمع زميلاتي وأذهب إلى المعتمدة المسؤولة عن المنطقة التي نقطن فيها وأطلب منها تخصيص مقر لنا نواصل فيه دراستنا. أو دلوني على أي مكان قريب كان أو بعيد يقدّم دروسًا للأميات.

صوت ما في داخلي يقول لي: خدوجة لا تعودي إلى البيت. إنها لحظة اللاعودة بإمكانك تحقيق مرادك.

إنهم يتشدقون بتحرير المرأة والمرأة… ألست امرأة تونسية؟

على تونس أن تعطينا الآن حتى نعطيها في المستقبل، أشعر أنني أعطي لتونس أكثر مما تعطيني”

 

لم أنتبه إلى حديث المديرة ولا إلى الحلول البديلة التي طرحتها وإنما ظل ذهني شاردًا معلقًا بكل حرف نطقت به هذه الآنسة. أسمع الحرقة في كلماتها وأرى الإصرار في عينيها، فتاة ظمأى تؤمن أن على هذه الأرض ماء، وأن أرض الوطن أم حنون لا تحرم  أطفالها غَرفةً تروي ظمأهم. أفكر في الشباب المتعلم الذين لم يعرف قيمة العلم التي عرفتها  هذه المرأة فآمنت بها فسخرت نفسها لتمحو لا الجهل بل ذنوب الآخرين التي ظلت تلازمها. فلتهبها أيها الوطن مما وهبك الله.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك