خواطر من زمن البكالوريا

25 يوليو , 2016

أتصور أن مرحلة البكالوريا أو الثانوية العامة في سوريا أصعب من بقية الدول العربية لتركيبتها العجيبة في النجاح، كنا وقتها كطلاب نشعر أن إجراء هذا الامتحان هو كيدي فقط ليحرق قلوب الطلاب وعقولهم، مناهج لا تحتوي شغفًا، وكتب سميكة بلا معنى كان علينا أن نحفظها خصوصًا كتب الفلسفة ( على ما أذكر كانت 4 كتب)، كان علينا أن نحفظها من الألف إلى الياء.

تركيبة البكالوريا العجيبة في سوريا تقوم على أن من لم يتجاوز حد النجاح في مادتين يرسب، وكان يسمى وقتها (حد الكسر)، أي مثلًا لو كنت تقدم مادة الفلسفة ولم تتجاوز حد الكسر بها، ثم قدمت مادة الإنكليزي وأيضًا لم تتجاوز حد الكسر بها سترسب، وتضيع سنة كاملة من حياتك حفظت بها الكثير والكثير من الصفحات المملة.

لم ينتهي الأمر هنا، حيث إنه من لم يتجاوز حد الكسر في مادة “اللغة العربية” وحدها أيضًا يرسب! وليزداد عجبك، لدينا مادة التربية الدينية التي إن كُسِرت بها مع مادة أخرى كُسِرت بها سترسب، مع العلم أن مادة التربية الدينية لا تُحسب لك عندما تذهب بمجموعك العام للتسجيل في الجامعة!

الصعوبات النفسية التي كنا نمر بها في مرحلة البكالوريا كانت لا توصف، خصوصًا بالأيام القليلة المتبقية على الامتحان، تجد أن أغلب زملائك اختفوا، ثم تكاد تتصور الدنيا كئيبة جدًا وذهب المرح الذي كنت تشعر به طيلة السنة، أيام قليلة تفصلك عن وحش البكالوريا.

ومما يزيد غمك أكثر إن لم تكن حضرت بشكل جيد هو ضيق الوقت الذي ستواجهه. مثلًا مادة الفلسفة التي إن حسبت عدد صفحاتها سأصل لـ 1200 صفحة كحد أدنى باعتبارها مادة ضخمة بعد مادة اللغة العربية، كنت قبل الامتحان قد قاطعت التلفاز والإنترنت وبقية الأشياء، باستثناء الراديو الذي أضطر للاستماع إليه قبل النوم. أذكر جيدًا أن إحدى الحلقات قبل الامتحان من برنامج حواري يستقبل الاتصالات كانت تتحدث عن البكالوريا ووقتها كان أغلب المتصلين ممن مروّا بالتجربة يتحدثون عن كونها تجربة لا تُنسى وأنه كان بها الكثير من المتعة وتحدي الرهبة الناتجة عن هذا الامتحان المفصلي في حياة الإنسان، والذي سيوجه الشخص لمجال دراسته لاحقًا ولمستقبله المهني. كان المتصلون يتحدثون وقتهم عن حنينهم لأيام الدراسة وكم كانت مميزة، يشوبها الخوف، كما تكلم بعضهم عن استعدادهم لإعادة التجربة مرة ثانية إن تسنى له ذلك! كنت وقتها أستمع لهم مستغربًا عما إذا كان الإنسان يتمنى أن يحشر نفسه في أجواء متعبة ومهلكة له.

دارت الأيام وأتى فحص البكالوريا، كنت أذهب للامتحان مع بضع ورقات وملخص لأقوم بمراجعة أهم النقاط من الكتب التي تحتوي مئات الصفحات، حتى إنني ابتكرت طرقًا للغش وقتها! بعضها لم ينجاح كالكتاب بداخل هيكل القلم الأزرق. كنت أشاهد كيف يأتي الطلاب ومعهم آباؤهم أو أمهاتهم يصحبونهم لباب المدرسة ليشدّوا من عزيمتهم، فالولد يدخل لامتحان مصيري حسبما أذكر.

مرت الأيام وتجاوزت مرحلة الثانوية متجهًا للجامعة ومرت السنوات وراء بعضها حتى تذكرت كلام المتصلين للبرنامج الإذاعي، شعرت اليوم بذات شعور المتصلين وكيف كانوا ينظرون للأمر من خارج حالتي عندما كنت طالبًا مثلي مثل بقية الطلاب ينتظر الفحص المصيري، المشكلة التي تكمن اليوم هي أنني أحاول حصر وتذكر عدد من رفاق الدراسة والبكلوريا، إلا أن المقربين منهم الآن باتوا إما مهاجرين نحو أوروبا، أو ربما شهداء جراء ما يحصل!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك